لها - لو اشترط أن يطأها وليست ملكًا - له من باب الزنا.
فإن اشترط بائع الأمة أن تخدمه لمدة شهر مثلًا، فلا بأس؛ لأن الخدمة تجوز من ملك اليمين وغيره.
٨ - غلظ عقد النكاح، وأنه عقد يجب أن يهتم به، لقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ويدل على هذا قوله تعالى في الطلاق: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [١] أي: اضبطوها بالحساب، لكنه لم يقل: بالحساب؛ لأنه كان من عادتهم أن يضبطوا الشيء بالحصى، فإذا جاء قوم أخذوا حصى بعددهم من أجل الضبط، وعلى هذا جاء قول الشاعر:
ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر
أي: أن الحصى الذي يعرف به عدد القبيلة إذا كانت كثيرة فيه فائدة، ولهذا قال: وإنما العزة للكاثر؛ أي: لمن يكثر غيره، ويفوق غيره في الكثرة.
إذًا: هذه الآية الكريمة تفيد خطر عقد النكاح، وأهميته، وأنه يجب أن يعتني به، ويحتفظ به، وبشروطه، وكل ما يلزم فيه؛ حتى لا يقع الإشكال بين الرجل وزوجته، وتحصل أمور لا تحمد عقباها.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢].
صلة هذه الآية بما قبلها واضحة؛ لأن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا
[ ١ / ١٦٥ ]
الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، ومن جملة النساء زوجات الآباء، التي يخلفها الأب بعد موته، فبين الله ﷿ أن زوجات الآباء لا تحل فقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
قوله: ﴿مَا نَكَحَ﴾ النكاح في القرآن الكريم يطلق على العقد؛ وعلى الوطء، فإذا وقع على أجنبية فالمراد به العقد، أما إذا وقع على زوجة الإنسان فالمراد به الوطء، فإذا قيل: نكح زوجته، فهو الوطء، وإذا قيل: نكح بنت فلان، فهو العقد.
ففي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فهل المراد بالنكاح هنا العقد، أو أن المراد به الجماع؟
الجواب: المراد به الجماع؛ لأن هناك قرينة تدل على ذلك، وهي قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، ولا يمكن أن يصدق عليه أنه زوج إلا بعقد، ولهذا لا بد أن يكون العقد صحيحًا حتى تتحقق الزوجية، أما فيما عدا ذلك فالمراد به العقد، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ .. ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١].
وقوله تعالى: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ بناء على ما قررناه يكون المراد بالنكاح هنا: العقد؛ أي: ما عقدوا عليهن، سواء حصل الدخول أم لم يحصل، وسواء حصل الوطء أم لم يحصل.
وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ جمع أب، وهو شامل للأب الأدنى ومن فوقه، وهم الأجداد، وشامل للجد من قبل الأب ومن قبل الأم؛ وذلك لأن النكاح يكفي في تحريمه أدنى ملابسة، بخلاف
[ ١ / ١٦٦ ]
الإرث والنفقات، فإنه في باب الإرث والنفقات لا يدخل في الآباء الأجداد من جهة الأم، أرأيت الرضاع مثلًا فإنه يحرم في النكاح، لكنه لا يوجب أي شيء مما يوجبه النسب، من نفقة، أو تحمل دية، أو صلة، أو غير ذلك.
إذًا: المراد بالآباء: الآباء الأدنون والأعلون، من قبل الأب ومن قبل الأم.
وقوله: ﴿النِّسَاءِ﴾ هذا بيان لـ "ما" الموصولة، وذلك أن "ما" الموصولة - وكذلك أسماء الشرط - مبهمة تحتاج إلى بيان، فيأتي في الغالب البيان بعدها مُصدّرًا بـ "من".
وقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ هنا أداة استدراك، وليست أداة استثناء، فهي بمعنى "لكن"، ويعبر بعض العلماء عن مثل هذا بأنه استثناء منقطع، ويعبر آخرون بأن ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى "لكن"، وليست استثناء أصلًا؛ لأن الإستثناء لا بد أن يكون المستثنى قد دخل في المستثنى منه، ثم أخرج، والإستثناء المنقطع لا يصدق عليه ذلك.
وعلى هذا: فإذا جاء الإستثناء المنقطع، فإننا نجعل ﴿إِلَّا﴾ بمعنى "لكن"، ويكون هذا من باب تناوب الحروف بعضها عن بعض.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: لكن ما مضى، فإنه لا حرج عليكم فيه، ولا يلحقكم فيه الإثم.
فإن قال قائل: ما قد سلف لن يلحقهم فيه إثم؛ لأن الحكم لم يقرر بعد، فكيف استدرك وقال: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
فالجواب - والعلم عند الله ﷿ -: أنه لما كان عقد
[ ١ / ١٦٧ ]
النكاح أخطر العقود، وأشدها، استثنى ما سلف؛ لئلا يظن الظان أن ما سلف ينسحب عليه الحكم الذي ثبت أخيرًا، فكأنه قال: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، وقد عفا الله عما سلف؛ لتطمئن النفوس، وليس معنى ذلك: أن ما سلف من العقد يبقى، ويقر عليه الإنسان، بل يجب فسخه، والتفريق بين الإنسان والزوجة التي هي زوجة أبيه؛ لأن هذا التحريم باقٍ لم يَزُل وصفه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ الضمير في: ﴿إِنَّهُ﴾ يعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ أي: إن نكاحكم، والضمير قد يعود على المصدر المفهوم من الفعل لدلالة السياق عليه، كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، فقوله ﴿هُوَ﴾ أي: العدل المفهوم من كلمة اعدلوا.
فقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: نكاحكم ما نكح آباؤكم.
قوله: ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ أي: والآن هو فاحشة، فعلى هذا تكون ﴿كَانَ﴾ هنا مسلوبة الزمان وإنما جاءت لتحقق هذا الأمر؛ لأن ﴿كَانَ﴾ إذا سلبت الزمان صارت للتحقيق، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] فليس المعنى: كان فيما مضى، ولكن ثبت ثبوتًا قطعيًا أنه غفور رحيم، وهنا نقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي: ثبت فحشه.
وقوله: ﴿فَاحِشَةً﴾ أي: في نفسه، ﴿وَمَقْتًا﴾ أي: عند الله، فنكاح ما نكح الآباء من النساء فاحشة في نفسه، تستفحشه
[ ١ / ١٦٨ ]
العقول، والشرع، وهو أيضًا مقت، والمقت أشد البغض، كما قال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣] أي: كبر بغضًا، فالمقت أشد البغض.
وقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ﴿وَسَاءَ﴾ فعل ماضٍ من أنواع الأفعال الجامدة، فهو جامد في سياقه على هذا الوجه؛ أي: على أنه إنشاء، وإنما قيدت ذلك لأنه إذا جاء بمعنى الإساءة أو السيئة صار متصرفًا، كما قال تعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، فيسوءوا مضارع ساء، فساء إذا كان المقصود به إنشاء الذم صار فعلًا جامدًا، وإذا كان المقصود به ضد ما يسر، صار متصرفًا، فإذا قلت: إن ﴿سَاءَ﴾ فعل جامد، فلا بد من قيد أن تقول: إذا كان المقصود به إنشاء الذم.
وقوله: ﴿سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا، فوصف الله ﷿ نكاح ما نكح الآباء بثلاثة أوصاف: أنه فاحشة، وأنه مقت، وأنه سبيل سيئ.