فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، وفي الزنا قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]، ولم يقل: ﴿وَمَقْتًا﴾؛ ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أن من زنى بامرأة من محارمه أو تزوجها، فإنه يرجم ولو كان غير محصن؛ لأن نكاح ذوات المحارم أعظم من الزنا وأشد.
٨ - قبح هذا المسلك، لقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
٩ - بيان نعمة الله ﷿ علينا في هذه الشريعة، حيث جنبنا سلوك السبل السيئة المذمومة، لقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
١٠ - ويؤخذ من ضدها: أن السلوك الإسلامي أو المنهج الإسلامي هو خير السبل وأفضلها وأحسنها.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣].
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ المحرِّم هو الله ﷿، وقد حذف الفاعل للعلم به، وأصل الحرام في اللغة: المنع، ومنه: حريم البئر، وهو ما حولها مما يكون حماية لها، ويمنع غير مالكها من تملكه، فأصل الحرام في اللغة: المنع، والمعنى: مُنعتم من أمهاتكم.
وقوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ "أمهات" جمع أم، أو أمهة، ويقال في
[ ١ / ١٧٢ ]
جمع أم في العاقل: "أمهات"، وفي غير العاقل: "أُمَّات" بحذف الهاء.
وقوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يشمل الأم الدنيا والأم العليا؛ كالجدة أم الأب، وأم الأم، وأم الجد، وأم الجدة، ونقول فيها كما قلنا في قوله: "آباؤكم"، فهي تشمل القريب والبعيد من الأمهات، من جهة الأب ومن جهة الأم.
وقوله: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ البنات: جمع بنت، ويشمل البنت، وبنت الإبن، وبنت البنت وإن نزلن، ويشمل أيضًا البنت من الزنا على قول جمهور أهل العلم، وإن كانت لا تنسب إليه شرعًا، لكنها خلقت من مائه، فهي على القول الراجح داخلة، كما سنبين ذلك في الفوائد.
وقوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ الأخوات: جمع أخت، وهن فروع الأب الأدنى.
وقوله: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ العمات: جمع عمة، وهن فروع الأب الأعلى؛ أي: فروع الجد، وفروع أب الجد، وفروع جد الجد، وهلم جرا.
وليعلم أن عمة الرجل عمة له ولذريته من بنين وبنات، ولهذا فعمة أبيك عمة لك، ولأولادك وبناتك، وأولاد أبنائك وأولاد بناتك.
وقوله: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ الخالات: فروع أب الأم وإن علا، وهن: أخوات أمك.
وقوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ وإن نزلن، ويشمل الأخ الشقيق، والأخ لأب، والأخ لأم، ونسبتك إلى بنات الأخ: عم.
وقوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ وهن من تكون خالًا لهن، فبنات الأخوات حرام على الإنسان وإن نزلن.
[ ١ / ١٧٣ ]
إذًا: هؤلاء المحرمات من النسب، وهن سبع: أمهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم، وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت، ويقال في حصرهن على طريقة الفقهاء: الأصول، والفروع، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلن، وفروع الأصل الأعلى دون فروعهن، فالأصول مثل: الأمهات والجدات، والفروع: كالبنات وإن نزلن، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلن هن: الأخوات وبنات الأخوات، وفروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة: العمات والخالات، وقولنا: "لصلبهم خاصة" أي: دون من نزلوا، فبنت العمة مثلًا حلال، وبنت الخالة حلال. فهذه طريقة الفقهاء.
أما على طريقة العد الذي هو أفصح شيء، وهو كلام الله ﷿، فلا يحتاج إلى كبير تأمل، ولذلك لو قيل للعامي: يحرم عليك نكاح الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، لذهب مطمئنًا متضحًا له الأمر، لكن لو قيل له: تحرم عليك الأصول، والفروع، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلن، وفروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة دون من نزلن، لقال: إن هذا شيء معقد، وذهب يطلب تفسيرًا لهذا الكلام، ولذلك فإن القرآن أبلغ شيء مهما كان، فمهما تكلم أحد في بلاغته، فإن القرآن أبلغ منه، وأوضح، وأبين.
وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ هذا صنف آخر؛ لأن المحرمات أصناف: بالنسب، وبالرضاع، وبالمصاهرة، وهنا المحرمات بالرضاع، فقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ والرضاع: امتصاص الرضيع للثدي، أو إسقاؤه إياه بعد انفصاله عن الثدي،
[ ١ / ١٧٤ ]
كما لو جعل في إناءٍ أو في ثدي صناعي، أو ما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ كلمة "أرضع" فعل، والفعل في الأصل للإطلاق، والإطلاق يصدق بمرة واحدة، فإذا قلت مثلًا: ضربت، فإنه يصدق بمرة واحدة، إذن قوله "أرضعنكم" يصدق بمرة واحدة؛ أي: برضعة واحدة، فالآية تدل على أن مطلق الرضاع يثبت به التحريم، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان أن السنة قيدت ذلك.
وقوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ الأخوات من الرضاعة: هن بنات المرأة التي أرضعتك، وبنات زوجها منها أو من غيرها؛ لأن بنات زوجها يكن أخواتك من الأب، وبنات التي أرضعتك أخوات لك من الأب والأم؛ أي: شقائق، أو من الأم؛ لأنها قد ترضعك بلبن زيد، ولها بنات من عمرو، فتكون بناتها من عمرو أخوات لك من الأم، فقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ يشمل الشقيقات، واللاتي لأب، واللاتي لأم.
وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ هذا هو الصنف الثالث: وهن المحرمات بالمصاهرة، والأم إذا أطلقت فهي التي ولدت الإنسان، قال الله تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢]، فأمهات النساء؛ أي: اللاتي ولدن نساءكم.
وقوله: ﴿نِسَائِكُمْ﴾ أي: زوجاتكم، ولا تكون المرأة زوجة إلا بعقد صحيح، فلا بد من أن يكون العقد صحيحًا؛ لأنه إذا لم يكن صحيحًا لم تكن المرأة من نسائه، فلا تكون من نسائه إلا بعد صحة العقد.
وقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ "ربائب": جمع
[ ١ / ١٧٥ ]
ربيبة؛، كصحائف: جمع صحيفة، وقوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ صفة لربائب، وقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ بيان لها؛ أي: أن الربائب من هؤلاء النساء اللاتي دخلتم بهن، وقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ أي: زوجاتكم اللاتي عقدتم عليهن عقدًا صحيحًا، إذ لا تكون المرأة من نساء الرجل إلا بعقد صحيح.
وقوله: ﴿اللَّاتِي﴾ صفة لقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، والمراد بالدخول بهن: الجماع دون الخلوة، وهنا لا بد أن نفرق بين الدخول الذي هو الجماع، وبين الخلوة، فإن الخلوة لا تؤثر.
إذًا: الربائب ذكر الله فيهن قيدين:
القيد الأول: أن تكون في حجر الإنسان، فيتزوج امرأة ولها بنت من غيره، ويضم البنت مع الأم فتكون عنده في حجره.
القيد الثاني: أن تكون المرأة قد دخل بها الزوج؛ أي: جامعها.
فهل هذان القيدان معتبران؟
هناك قولان للعلماء:
القول الأول: أنهما معتبران، وأن الربيبة إذا لم تكن في حجر الإنسان، أو لم يكن قد دخل بأمها فهي حلال، وأنها لا تحرم إلا إذا اجتمع القيدان: أن تكون في حجره، وقد دخل بأمها.
القول الثاني: وهو قول الجمهور، أن المعتبر هو القيد الثاني، وهو قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، وأما القيد الأول فليس بمعتبر، وإنما ذكر بناءً على الأغلب، أو بيانًا للحكمة، واستدل الجمهور لرأيهم هذا بأن الله تعالى صرح
[ ١ / ١٧٦ ]
بمفهوم القيد الثاني ولم يصرح بمفهوم القيد الأول، بل سكت عنه، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، ولو كان القيد الأول معتبرًا لقال: فإن لم تكونوا دخلتم بهن أو لم يكنّ في حجوركم؛ فلا جناح عليكم.
ولو سكت الله عن المفهوم ولم يقل: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾؛ لكان القيد معتبرًا، وكانت الحجة مع من جعله شرطًا.
فالمراتب ثلاث:
المرتبة الأولى: أن يقال: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فإن لم يكن في حجوركم أو لم تدخلوا بأمهاتهن، فلا جناح عليكم، ففي هذه المرتبة يكون القيدان معتبرين.
المرتبة الثانية: أن يقال: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فهنا القيدان معتبران.
المرتبة الثالثة: أن يرد القيدان في الآية: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فهذا يؤذن بأن القيد الثاني معتبر، والقيد الأول غير معتبر، وهذا هو رأي الجمهور، وهو الصحيح، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ "حلائل": جمع حليلة، وتشمل الزوجة، والمملوكة، لكن الزوجة تحرم على أبي الزوج بمجرد العقد، وأما السرية فلا تحرم على أبي السيد إلا بالوطء؛ وذلك لأن السرية قبل أن يجامعها يحتمل
[ ١ / ١٧٧ ]
أن تكون سلعة تباع وتشرى، فإذا جامعها فقد اختارها لنفسه، فالحلائل إذن: جمع حليلة، وهي الزوجة التي استحلها بالعقد، أو الأمة التي استحلها بالوطء.
ولم يذكر الله ﷿ هنا قيدًا، فتشمل كل زوجة؛ سواء دخل بها الإبن أم لم يدخل بها، وعلى هذا فزوجة الإبن حرام على أبيه، وإن طلقها قبل الدخول، وإن طلقها قبل الخلوة؛ لعموم الآية.
وقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ "أصلاب": جمع صلب، وهو الظهر، والمراد: الأبناء الذين ولدوا من مائكم؛ لأن هذا هو ابن الصلب، وهذا قيد يخرج به جمهور العلماء أبناء التبني، فقد كان من عادة الناس في الجاهلية أن يتبنى الإنسان ابنًا له، ويقول له: أنت ابني، ويجعله كابنه في الميراث وغيره، فقيد الإبن هنا بكونه من الصلب ليخرج ابن التبني، هذا هو رأي الجمهور، ولكن لا مانع من أن يقال: إنه يشمل ابن التبني، وابن الرضاع؛ لأن ابن الرضاع ليس ابنًا لك من صلبك، وابن الرضاع يسمى ابنًا شرعًا، لكن ابن التبني قد أبطله الشرع، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، فإذا كان قد أبطل شرعًا فلا حاجة إلى قيد يخرجه؛ لأنه غير داخل شرعًا في معنى البنوة عند الإطلاق، ولا حسًا كذلك أيضًا؛ لأنه ليس من مائه، وعلى هذا فيكون هذا القيد لإخراج ابن الرضاع أظهر منه لإخراج ابن التبني؛ لأن ابن التبني غير معترف به شرعًا، فلا حاجة إلى قيد يخرجه من معنى البنوة.
[ ١ / ١٧٨ ]
وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وإن كان يظن أنه خالف الناس في هذا، لكن قوله عند التأمل هو الصواب، وهو أن المصاهرة لا تجري في الرضاع، ولا علاقة للرضاع بها؛ لأن الحديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (^١)، وأبو الزوج، وابن الزوج إنما هو حرام بالمصاهرة، فكيف ندخل في الحديث ما لم يدخل فيه، وكذلك في الآية الكريمة؟
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وهذا المحرم ليس عينًا، ولكنه عمل، وهو الجمع، والمعنى: وحُرِّم علينا أن نجمع بين الأختين، ولهذا لا يصح التعبير بأن نقول: تحرم أخت الزوجة، أو تحرم عمة الزوجة؛ لأن ذلك ليس واردًا لا في القرآن ولا في السنة، ففي القرآن: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وفي السنة: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (^٢)، فالحكم معلق بعمل، وهو الجمع، وليس بعين وهي الأخت أو العمة، ولهذا نقول: إن تعبير بعض العلماء ﵏: تحرم أخت الزوجة وعمتها وخالتها، فيه تساهل.
فالصواب أن يقال: يحرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع، حديث رقم (٢٥٠٢)؛ ومسلم، كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، حديث رقم (١٤٤٧) من حديث ابن عباس.
(٢) رواه البخاري، كتاب النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها، حديث رقم (٤٨٢٠)؛ ومسلم، كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح، حديث رقم (١٤٠٨) عن أبي هريرة.
[ ١ / ١٧٩ ]
وقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يشمل الأختين الشقيقتين، والأختين لأب والأختين لأم؛ لأن الآية مطلقة.
قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ نقول فيها كما قلنا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أي: لكن ما قد سلف معفو عنه، وإنما ذكره الله ﷿ لعظم المقام، ولئلا ينشغل الإنسان بفعله السالف الذي وقع على الوجه المنهي عنه، ومن الحكم بيان حكم الولد الحاصل من النكاح فيما سلف بمعنى: أنه لو نكح الإنسان زوجة أبيه في الجاهلية، وأتت منه بولد، ثم أسلم وفرق بينهما؛ لأن سبب التحريم باقٍ، لكن الولد الذي حصل من النكاح الأول ينسب إليه شرعًا، فهذا - والله أعلم - هو الحكمة من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ لأجل أن يزول ما في قلب الإنسان نهائيًا؛ لأنه قد يقول: إذا كان ذلك حرامًا عليّ، فما موقفي أمام الولد الذي خلق مني في ذلك الوقت، فطمأن الله العباد بقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، فهذا هو الحكمة في استثناء واستدراك ما سبق، وإلا فقد يقول قائل: ما سبق كيف يرجع التحريم إليه بما يسمى أثرًا رجعيًا؟ فنقول: الحكمة من ذلك هو عظم المقام، والثاني: أنه لو ولد ولد في ذلك النكاح، فالولد ولد شرعي؛ لأنه معفو عنه - أي: عما سلف - وعن آثاره.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ سبق الكلام على هذه الآية كثيرًا، وفيها تأكيد اسمين من أسماء الله بمؤكدين: ﴿إِنَّ﴾ و﴿كَانَ﴾؛ لأن و﴿كَانَ﴾ كما أسلفنا مسلوبة الزمان، فتفيد تحقيق الوصف.
[ ١ / ١٨٠ ]
و"الغفور" صيغة مبالغة من الغفر، وهو ستر الذنوب، وعدم المؤاخذة عليها، و"الرحيم" كذلك صيغة مبالغة من الرحمة، والرحمة صفة ذاتية لله ﷿، ولكن لها آثار، مثل: نزول المطر، وسعة الرزق، وكثرة العلم، واتجاه الناس اتجاهًا سليمًا، وما أشبه ذلك، فهذه الأشياء هي من آثار رحمة الله، ولكن ليست هي الرحمة، إنما يطلق عليها الرحمة لأنها آثار رحمة الله كما قال الله تعالى في الجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" (^١).