* قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥].
يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ﴾ "مَنْ" اسم شرط جازم، وقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ جواب الشرط، وقد اجتمع في هذه الجملة موجبان للجزم: أحدهما ﴿مَنْ﴾، والثاني ﴿لَمْ﴾، فهل الفعل مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ أو مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾؟
نقول: الفعل المجزوم بـ ﴿لَمْ﴾؛ لأنها المباشرة، وعلى هذا فنقول: يستطع: فعل مضارع مجزوم بلم، وهو فعل الشرط.
وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الطول: هو الغنى؛ أي: ومن لم يستطع منكم غنًى يكفي لمهر المحصنات.
وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: الحرائر: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ضد الكافرات.
وقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: فانكحوا مما ملكت أيمانكم، والخطاب هنا للجميع باعتبار المجموع لا باعتبار كل فرد، وإنما قلنا ذلك لأن المالك لا يصح أن ينكح مملوكته، فالسيد لا يمكن أن يتزوج مملوكته، وإنما يتسراها تسريًا؛ لأن الله جعل ملك اليمين معادلًا للزوجية، فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] فدل هذا على أن ما ملكت اليمين غير الأزواج.
[ ١ / ٢١٦ ]
وقال أهل العلم: إنه لا يجوز أن يتزوج السيد مملوكته؛ لأن استباحته بضعها كان بعقد أقوى من عقد النكاح؛ لأن عقد الملكية يفيد ملكها بجميع أنواع الإستمتاعات، وعقد النكاح يفيد ملك الإستمتاع بها فقط، فالأمة يملك سيدها منافعها كلها، فيملك أن تخدمه، وأن يؤجرها، وليس لها مال بل مالها له، ويملك الإستمتاع بها، والزوجة ليست كذلك.
إذًا: فملك منفعة البضع بملك اليمين أقوى من عقد النكاح، فلا يرد الأقوى على الأضعف، هذا من حيث التعليل.
أما من حيث الدليل فيقول الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، وجه الدلالة: أن الله جعل ملك اليمن قسيمًا للزوجية.
﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ من بيان لـ ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وفتيات جمع فتاة؛ وهي الأمة المملوكة وتطلق على الشابة إذا أضيفت إلى الحرة. واشترط الله ﷿ فيها الإيمان، فقال: "المؤمنات"؛ أي: لا بد أن تكون مؤمنة، فإن كانت كتابية فإنها لا تحل، حتى وإن كان ممن لا يجد طول الحرة.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ الجملة هنا جملة اعتراضية، يعني: أن الله سبحانه أعلم بالإيمان، فإذا اشترط الله الإيمان فليس لنا إلا الظاهر، أما الباطن فعلمه عند الله، ولهذا كان الحساب في الدنيا على الظاهر وفي الآخرة على الباطن.
وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾: البعضية هنا بعضية إنسانية، يعني: أن الله أباح لنا الإماء لأنهن منا بشر مثلنا، فبعضنا من
[ ١ / ٢١٧ ]
بعض، وإن كان الحر أشرف وأعلى، وأتى بهذه الجملة المؤكدة للتساوي في البشرية؛ لأنه يوجد عند العرب أنفة عظيمة أن يتزوج الحر أمة فخفف الله ذلك عنهم وقال: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ فأنت لست تنكح إلا إنسانة فأنت معها: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.
قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾: الهمزة في قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ همزة وصل؛ لأنها من "نكح"، أما قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فهي همزة قطع؛ لأنها من الرباعي "أنكح".
وقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ أصل النكاح الإجتماع؛ لأن بعقده يكون اجتماع الزوج والزوجة، وكذلك اجتماع الأصحاب بعضهم إلى بعض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].
وهمزة: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ همزة وصل؛ لأنها من الثلاثي "نكح".
قوله: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾، أي: برضاهم، والإذن بمعنى السماح والرضا، والمراد بأهلهن أسيادهن، وذلك أن الأمة لا تملك نفسها، ولا يملكها وليها في النسب، وإنما يملكها وليها بالسبب، أي مالكها، ولذلك يزوج الأمة سيدها ولا يزوجها أبوها؛ لأن ولاية السيد أقوى من ولاية الأب، ولذلك قال: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾، وهم أسيادهن.
قوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، أي: أعطوهن؛ لأنها من الرباعي وآتى الرباعي بمعنى أعطى، كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: أعطى المال، بخلاف أتى
[ ١ / ٢١٨ ]
فإنها بمعنى جاء، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل: ١٨].
وقوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن، وسمي أجرًا لأنه عوض عن منفعة، والإضافة هنا في قوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ إضافة اختصاص لا إضافة ملك؛ كإضافة سرج الدابة إليها، فيقال: سرج الفرس، لا لأن الفرس يملكه لكن لأنه مختص به، وذلك لأن الأمة لا تملك، لقول النبي - ﷺ - "من باع عبدًا وله مال فماله للذي باعه" (^١).
وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالمعروف شرعًا وعادة، والمعروف شرعًا أن يكون المهر متمولًا شرعًا، سواء كان من الذهب أو الفضة أو الحديد أو الرصاص أو الثياب أو الفرش أو الأبواب أو غير ذلك.
والمعروف عادة أن لا يماطل، بل يعطي الأمة مهرها كما يعطي الحرة، وإنما ذكر الله ذلك لأنه ربما يحتقر الأمة ولا يؤتيها حقها كما ينبغي، ولهذا قال: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾:
قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾: حال من الضمير في قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾، يعني: انكحوهن حال كونهن محصنات، أو من ضمير المفعول به في قوله: ﴿وَآتُوهُنَّ﴾؛ أي: آتوهن أجورهن حال كونهن محصنات، ولا تعطوهن أجورهن أجور زنا، بل أجور إحصان.
وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ هنا أي: متزوجات: لا زانيات، وهو من باب التوكيد لما سبق؛ لأنه يغني عنه قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾؛ لأن نكاحهن الشرعي بإذن أهلهن يجعل العقد معهن
_________________
(١) تقدم ص ١٠١.
[ ١ / ٢١٩ ]
عقد إحصان لا زنا، لكن لخطر هذا الأمر أكده الله سبحانه بقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾، والمسافح الزاني والعياذ بالله، وسمي مسافحًا لأنه ليس له هم إلا سفح الماء في القبل، فلا يريد أولادًا، ولا عشرة، ولا مودة، وإنما هو كالتيس يريد أن يقضي نهمته فقط.
قوله: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، الأخدان: جمع خِدْن أو خَدَن، والمراد به ما يعرف عند الكفرة بالصديق والصاحب، فإنه في بلاد الكفر تتخذ المرأة صديقًا صاحبًا يفعل بها ما يفعل الرجل بامرأته ما عدا الجماع، وربما تصل الحال إلى الجماع، والإماء لما كن لا يهتممن بهذا الأمر، قيد الله ذلك بقوله: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، أما الحرائر فإنه يبعد فيهن الزنا، حتى قيل: إن هندًا بنت عتبة لما بايعت النبي - ﷺ - النساء: "على ألا يسرقن ولا يزنين" قالت: "يا رسول الله! أو تزني الحرة" (^١)، وهو ضعيف لكن ذكره بعض العلماء.
قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾؛ أي: أحصنهن من يُحصِّنهن، وفي قراءة "أَحْصَنَّ" أي: أحصن أنفسهن.
واختلف المفسرون في المراد بالإحصان، فقال بعض العلماء: إنها على قراءة الفتح "أَحْصَنَّ" بمعنى أسلمن، و﴿أُحْصِنَّ﴾ بمعنى نُكحن، وقال بعض العلماء: هما بمعنى واحد، وأن معنى أَحصَنَّ؛ أي: صرن ذوات إحصان، كما يقال أنجد أي دخل نجدًا، أما على قراءة الضم ﴿أُحْصِنَّ﴾ فالأمر ظاهر
_________________
(١) رواه أبو يعلى (٨/ ١٩٤) (٤٧٥٤) عن عائشة، وابن جرير (١٢/ ٧٣) عن ابن عباس.
[ ١ / ٢٢٠ ]
بأن المراد نُكِحن فأحصن فروجهن بهذا النكاح، والصواب أنهما بمعنى واحد، وكونها بمعنى أسلمن بعيد؛ لأن السياق هنا في سياق الفتيات المؤمنات في قوله: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، والمؤمنة مسلمة.
قوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾:
هذا شرط داخل في شرط: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: هذا الشرط الأول، وقوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ﴾: هذا الشرط الثاني، ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾: جواب الشرط الثاني، فهو شرط في شرط، يعني إذا أحصنت الأمة وأتت بفاحشة فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب.
وقوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾: الحرائر، ولا يصح أن يقال: فإذا أُحصن فعليهن نصف ما على المحصنات من الإماء، فهذا لا يستقيم، ولكن معنى ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: الحرائر.
قوله: "من العذاب" والعذاب هو الحد، قال الله ﵎: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور: ٨]، وقال سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢]، فيكون المراد بالعذاب هنا الحد، والحد للمحصنة الحرة هو الرجم؛ لأن النبي - ﷺ - رجم الغامدية، وإن كانت الحرة غير محصنة فهو الجلد، لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، والحد للمحصنة الذي يمكن أن يتنصف في حق الأمة هو الجلد. أما الرجم فلا يتنصف؛ لأن الرجم يحصل به الموت والموت لا يتنصف، فيكون المراد بنصف العذاب خمسين جلدة.
[ ١ / ٢٢١ ]
والحرة تعذب تعذيبًا آخر، وهو التغريب، والتغريب قد جاء في صحيح السنة أن النبي - ﷺ - قال لأبي العسيف: "على ابنك جلد مائة وتغريب عام" (^١) وقال الرسول ﵊: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (^٢)، ولكن العلماء اختلفوا في تغريب الحرة، هل تغرب أو لا تغرب؟
فمنهم من قال: إنها لا تغرب؛ لأن التغريب إنما هو لصيانة الإنسان عن الزنا، والمرأة إذا غربت ربما يزداد زناها، لا سيما إذا لم يكن معها محرم، فلا تغرب المرأة، فإذا لم تغرب فالأمة يكون عليها خمسون جلدة بلا تغريب؛ لأن الحرة لا تغرب.
ولكن إذا قلنا بالقول الثاني: أنها تغرب، فهل تغرب الأمة كما تغرب الحرة؟
قال بعض العلماء: تغرب نصف سنة، وقال بعض العلماء: لا تغرب؛ لأن تغريبها إضرار بمالكها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، ولكن هذا التعليل عليل؛ لأننا نقول: إذا قلنا بأن التغريب حد فإنه كما يكون إضرارًا بالسيد فالجلد إضرار بالسيد أيضًا؛ لأنها ربما تتأثر صحتها بذلك، وستتأثر سمعتها بذلك وتنقص قيمتها.
وإذا قلنا بأن التغريب يرجع إلى اجتهاد الإمام في الحرة
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث رقم (٢٥٤٩)؛ ومسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى، حديث رقم (١٦٩٧).
(٢) تقدم ص ١٢٥.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وليس بحد واجب، فإنا نقول أيضًا: يرجع التغريب في الأمة إلى اجتهاد الحاكم.
والصواب: أن عليها نصف ما على الحرة من العذاب في الجلد والتغريب، هذا إذا أحصنت لقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾
وإذا لم تحصن.
فقال بعض العلماء: ليس عليها شيء؛ لأن مفهوم الآية الكريمة أنها إذا لم تحصن فليس عليها شيء من العذاب، وإذا سكت الله عن شيء فهو مما عفا عنه، ولا شك أن زنا من أحصنت أقبح من زنا من لم تحصن؛ أي: من لم تتزوج.
وقال بعض العلماء: إذا أُحصنت فعليها نصف ما على الحرة من العذاب، وإذا لم تحصن فعليها العذاب كاملًا، وقال: نأخذ بالآيتين قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فهذا عام في الحرة والأمة، وخرج منه الأمة إذا أحصنت فعليها نصف ما على الحرة من العذاب، وبقيت الأمة غير المحصنة فحدها كالبكر التي لم تتزوج من الحرائر، والبكر التي لم تتزوج من الحرائر حدها مائة جلدة، وعلى هذا فإذا أحصنت الأمة فزنت فعليها خمسون جلدة، وإذا لم تحصن فعليها مائة جلدة.
وأحق الناس بهذا المذهب الظاهرية، فإن الظاهرية قالوا بهذا، وقالوا: ما لنا إلا الظاهر.
ومن العلماء من قال: إذا أحصنت فعليها نصف ما على الحرة، وإذا لم تحصن وجب تأديبها بالجلد المطلق، لقول
[ ١ / ٢٢٣ ]
النبي - ﷺ -: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر" (^١)؛ أي: ولو بحبل، فقال: "فليجلدها" وأطلق، فعلى هذا إذا زنت قبل أن تحصن وجبت عقوبتها بالجلد الذي ليس بحد، وهذا القول هو الصحيح: فإذا تزوجت فعليها نصف ما على الحرة وهو خمسون جلدة، ولا يمكن أن نقول عليها نصف الرجم لأنه لا يتبعض، وإذا لم تحصن فإنه يجب جلدها تعزيرًا لها؛ لأننا لو تركناها فهو مشكل أيضًا.
وأما القول بأنها إذا زنت قبل الإحصان فإنها تحد حدًا كاملًا، فهذا قول ضعيف بلا شك؛ لأن علة التنصيف هو الإحصان؛ أي: التزوج، فإذا زالت العلة زال الحكم.
ثم قال الله تعالى في بيان شروط نكاح الأمة: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: المشار إليه الحكم المذكور وهو جواز نكاح الإماء، ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ الجار والمجرور متعلق بخبر المبتدأ ﴿ذَلِكَ﴾، والخبر محذوف والتقدير ثابت أو كائن.
﴿خَشِيَ﴾ أي: خاف، والخشية والخوف يترادفان، فيحل أحدهما مكان الآخر، لكنهم فرقوا بينهما بأن الخشية إنما تكون عن علم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]،
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع العبد الزاني، حديث رقم (٢٠٤٥)؛ ومسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، حديث رقم (١٧٠٣).
[ ١ / ٢٢٤ ]
وبأن الخشية يكون سببها عظم المخشي وإن كان الخاشي عظيمًا، وأما الخوف فسببه ضعف الخائف وإن كان المخوف ضعيفًا، فهي أقوى وأشد، فقوله: ﴿خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي: خافه خوفًا مؤكدًا.
والعنت: المشقة، ومنه قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] أي: ما شق عليكم.
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، بيان ﴿لِمَنْ﴾ في قوله: ﴿لِمَنْ خَشِيَ﴾.
قوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: الجملة مبتدأ وخبر، لكن المبتدأ مؤول، فإن معنى ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: وصبركم، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: وصومكم خير لكم، فالمبتدأ هنا هو المصدر المؤول من أن والفعل.
وقوله: ﴿تَصْبِرُوا﴾ أي: تحبسوا أنفسكم؛ لأن الصبر هو الحبس، والمعنى تحبسوها عن نكاح الإماء حتى مع وجود الشرطين، وهما: عدم استطاعة الطول وخوف العنت.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: من أن تنكحوا الفتيات، والخيرية هنا مطلقة، وإذا أطلق الله سبحانه الشيء صار عامًا؛ أي: خير لكم على كل حال، لكن إن عجز الإنسان عن الصبر فالأمر واسع.
قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ختم الآية بهذين الإسمين الكريمين: "الغفور الرحيم" يشير إلى أنه يجب على الإنسان أن يتحرز في هذه المسألة احترازًا بالغًا لئلا يقع في الإثم، وأن الله سبحانه إنما أباح لنا ذلك من أجل أنه موصوف بهذين الوصفين اللذين دل عليهما الإسمان الكريمان، وهما المغفرة والرحمة.
[ ١ / ٢٢٥ ]
والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من المغفر وهو ما يوضع على الرأس من الحديد من أجل وقاية الرأس من السهام، ويحصل به ستر ووقاية، فالمغفرة مشتملة على هذين المعنيين: الستر والوقاية من العذاب، فليست سترًا فقط ولا وقاية من العذاب فقط، بل ستر ووقاية.
وأما الرحمة فهي صفة من صفات الله ﷿ تقتضي الإحسان إلى الخلق ودفع الضرر عنهم، والله سبحانه سمى نفسه بالرحمن وبالرحيم، ووصف نفسه بأنه ذو الرحمة فقال: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، وهي صفة مستقلة عن الإرادة وعن الإحسان، فهي عند السلف وأئمة أهل السنة صفة زائدة أو مستقلة عن الإرادة أو الفعل.
وحَرَّف معناها من لا يرى ثبوت الرحمة لله، وقال: إن المراد بالرحمة إرادة الإنعام، أو الإنعام نفسه، وإنما حرفوها إلى هذا المعنى لأنهم يثبتون الإرادة، فقالوا: إرادة الإحسان أو الإحسان نفسه؛ لأن الإحسان منفصل عن الذات، فلا يمتنع عندهم وقوعه من الله ﷿، وهؤلاء هم الأشاعرة، وفي الحقيقة أنهم لو رجعوا إلى أنفسهم لوجدوا أن تفسيرهم الرحمة بهذا يستلزم ثبوت الرحمة؛ لأن إرادة الإحسان لا تكون إلا رحمة لمن استحقها، ومحبة للإحسان، والإحسان نفسه الذي هو المنفصل عن الله لا يكون إلا من آثار الرحمة.
على كل حال: مذهبنا - ولله الحمد - مذهب أهل السنة والجماعة أن كل ما سمى الله به نفسه أو وصف به نفسه فهو ثابت له على وجه الحقيقة، لكن بدون تمثيل، وبدون تكييف.
[ ١ / ٢٢٦ ]