لقوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فكأنه قال: اصبروا، لكنه جعله على وجه الترغيب.
٢٨ - إثبات هذين الإسمين لله ﷿ وما تضمناه من صفات، وهما "الغفور، الرحيم".
* * *
* قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦].
قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾:
يريد: الإرادة هنا إرادة شرعية، فإن إرادة الله سبحانه تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية، والفرق بينهما:
أن الإرادة الشرعية: تتعلق بما يحبه ويرضاه فقط، وقد يقع فيها المراد وقد لا يقع.
وأما الإرادة الكونية: فتتعلق بكل ما شاءه، وقد يكون محبوبًا لله وقد يكون مكروهًا له، ولا بد أن يقع فيها المراد؛ لأنها بمعنى المشيئة، وما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن.
فإذا كانت الإرادة بمعنى المحبة؛ أي: بمعنى أنه يصح أن يحل محلها "أحب أو يحب" فهي إرادة شرعية، وإذا كان يحل محلها "يشاء أو شاء" فهي إرادة كونية.
يقول الله ﷿: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: يحب ذلك، وقد فعل الله سبحانه وبيّن لنا غاية البيان، بلسان عربي مبين.
[ ١ / ٢٣٧ ]
واللام في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ زائدة قد تفيد التعليل، وقد لا تفيد التعليل وتكون للتعدية، لكنها لو حذفت فقيل: يريد الله أن يبين لكم؛ كقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] لصح الكلام، لكنها وجدت، ويقولون: كل لام جر بعد الإرادة فهي زائدة تقول: أردت لكذا؛ أي: أردتُ كذا.
وقوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾: البيان هنا يشمل البيان اللفظي والبيان المعنوي، وكلاهما واقع، قال الله ﷿ لرسوله محمد - ﷺ - ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩] أي: إظهاره، وكان الرسول ﵊ إذا ألقى عليه جبريل القرآن يتعجل - يسرع - يختطفه منه حبًا له وشفقة عليه (^١)؛ أي: حبًّا للقرآن وشفقة عليه، فقيل له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾، وقوله: علينا: الضمير يعود على الله والمراد جبريل، فإنه هو الذي يقرأ على النبي - ﷺ -، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي: قرأه جبريل ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ البيان اللفظي والمعنوي.
قوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾:
يهديكم هداية الدلالة وهداية التوفيق، أما هداية الدلالة فهي ما أنزله من الوحي والشرع، وأما هداية التوفيق فهي أن يوفق من شاء من عباده للزوم هذه الهداية.
ومن أمثلة الهداية التي بمعنى الدلالة: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] أي: دللناهم
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي (٥)؛ ورواه مسلم، كتاب الصلاة، باب الإستماع للقراءة (٤٤٨) عن ابن عباس.
[ ١ / ٢٣٨ ]
على طريق الحق، لكنهم استحبوا العمى على الهدى.
وأما الهداية بمعنى التوفيق، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]؛ أي: لا توفقه لسلوك طريق الهداية؛ لأن ذلك إلى الله.
قوله: ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾:
﴿سُنَنَ﴾: جمع سنة وهي الطريقة، والمراد بسننهم ما كانوا عليه من الشرائع، لكن الشرائع تختلف باختلاف الأمم واختلاف الأزمنة والأمكنة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، لكن الناس سواء في الأصل.
وقوله: ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ يعني: اليهود والنصارى وغيرهم ممن نزل عليهم الوحي.
﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ بالنصب ﴿يَتُوبَ﴾ عطف على ﴿يُبَيِّنَ﴾؛ أي: ويريد ليتوب عليكم؛ أي: يوفقكم للتوبة.
وتوبة الله على العبد نوعان: توبة توفيق للتوبة، وتوبة قبول للتوبة، فمن الأول قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٧] أي: وفقهم للتوبة ليتوبوا.
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] والتوبة في قوله: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ تشمل المعنيين.
قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه، فخرج بقولنا "إدراك": الجهل؛ لأنه ليس بإدراك، وخرج بقولنا "على ما هو عليه": الجهل المركب؛ لأن الجاهل المركب يدرك الشيء على خلاف ما هو عليه.
[ ١ / ٢٣٩ ]
فالله سبحانه عليم؛ أي: ذو علم، وقد بيّن الله سبحانه في آية أخرى أن علمه واسع شامل محيط بكل شيء جملة وتفصيلًا، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
﴿حَكِيمٌ﴾؛ أي: ذو حُكم وحكمة، وقد سبق لنا شرح ذلك، وبينا أن حكمة الله ﷿ تكون في الحكم الشرعي والحكم الكوني، وأنها تكون على صورة الشيء وعلى الغاية منه؛ أي: صورية وغائية.