٣ - بيان عظمة الله وتمام سلطانه وقدرته، لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
٤ - تعظيم الله نفسه، لقوله: ﴿نُصْلِيهِ نَارًا﴾؛ لأن الضمير هنا تقديره "نحن"، وهو ضمير العظمة، وليس من المتشابه إلا على من طمس الله قلبه؛ كالنصراني الذي يقول: إن ضمير الجمع يدل على التعدد، وينسى الآيات المحكمات الدالة على أن الله إله واحد؛ لأن الله تعالى طمس على قلبه، ومن طمس الله على قلبه فإنه لا يتبين له الحق.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ هنا عدول عن الغيبة إلى الخطاب، فالغيبة: في قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ [النساء: ٣٠] وأما ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ فهذا للخطاب.
يخاطب الله سبحانه العباد بقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ أي: تبتعدوا عن كبائر ما تنهون، وقوله ﴿كَبَائِرَ﴾: جمع كبيرة.
قوله: ﴿مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ النهي: هو طلب الكف على وجه الإستعلاء؛ أي: ما ينهاكم الله عنه.
قوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
﴿نُكَفِّرْ﴾: مأخوذ من الكَفْر، وهو الستر، فالتكفير إذًا معناه ستر السيئات، وذلك بالعفو عنها.
وقوله ﷿: ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾ جمع سيئة، والمراد بها هنا الصغيرة، والدليل على أن المراد بها الصغيرة أنها جاءت في
[ ١ / ٢٦١ ]
مقابلة الكبائر في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وإلا فالأصل أن السيئة عامة للكبيرة وللصغيرة.
ومن بلاغة القرآن أن يعرف معنى الكلمة بذكر ما يقابلها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]، فمعنى ثبات: فرادى، والدليل أنه قوبل بقوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، مع أنك لو ذهبت تراجعها في القاموس أو غيره من كتب اللغة لأخذت وقتًا، لكن إذا عرفت أن الله ﷿ يذكر الشيء وما يقابله كما في هذه الآية، عرفت أن المراد بالثبات الفرادى.
وقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾: المدخل الكريم هو الجنة؛ لأنها دار الكرم، ودار الفضل، ودار الإحسان، ودار السلام، وهنا قال: "مُدْخَلًا" ولم يقل "مَدْخَلًا" لأنه من الرباعي، واسم المكان أو الزمان والمصدر الميمي إذا كان من الرباعي فهو على وزن "مُفْعل" لا على وزن "مَفْعل"، ولهذا تقول: أقام الرجل عندنا مُقامًا، وتقول قام الرجل فينا مَقامًا؛ لأنه من الثلاثي، وعلى هذا كان قوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا﴾ بضم الميم لأنه من الرباعي: أدخل يُدخِل أي: ندخلكم في مكان دخول كريم، بناءً على أن "مُدخل" هنا اسم مكان، ويجوز أن تكون مصدرًا ميميًا؛ أي: ندخلكم إدخالًا كريمًا، ويجوز أن يراد بها هذا وهذا؛ أي: أن الكرم وصف للإدخال ولمكان الدخول.
فإذا قال قائل: ما هي الكبائر؟
قلنا: الكبائر جمع كبيرة، وقد جاءت الأحاديث بعدِّها بثلاث، وأربع، وسبع، وتسع، وتفاوتت الأحاديث في هذا، ففي
[ ١ / ٢٦٢ ]
حديث أبي بكرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قلنا: بلى يا رسول الله! قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس، وقال: "ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور" (^١)، وورد عنه أيضًا: "اجتنبوا السبع الموبقات" (^٢) وعدها، وسئل عن الكبائر فقال: "تسع .. " (^٣) وعدها.
ومن ثم اختلف العلماء، فمنهم من قال: ما نص أنه من الكبائر فهو كبيرة، وما لا فهو صغيرة.
وقد سئل ابن عباس ﵄ عن الكبائر هل هي سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع (^٤)، وفي رواية أخرى قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع، ولكن لا كبيرة مع الإستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.
وقال الإِمام أحمد ﵀: الكبيرة محدودة لا معدودة، فما كان فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة، وما لا فلا، فالزنا مثلًا كبيرة .. والسرقة كبيرة .. والقذف كبيرة، "ومن
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر، حديث رقم (٥٦٣١)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، حديث رقم (٨٧).
(٢) رواه البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾، حديث رقم (٢٦١٥)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، حديث رقم (٩٨).
(٣) رواه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم، حديث رقم (٢٨٧٥)؛ والحاكم (١/ ١٢٧، ٤/ ٢٨٨).
(٤) رواه عبد الرزاق وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس مرفوعًا.
[ ١ / ٢٦٣ ]
جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه" (^١)، فهو كبيرة.
قال ابن عبد القوي ﵀ في منظومته الدالية التي تقع في نحو أربعة عشر ألف بيت في الفقه:
فما فيه حد في الدنا أو توعد بأخرى فسمِّ بكبرى على نص أحمد
الدنا: أي الدنيا، سم: سمِّه أو أعلمه؛ لأنه يجوز أن تكون من السمة والعلامة؛ أي: صفه بأنه من كبائر الذنوب على نص أحمد.
ثم قال ﵀:
وزاد حفيد المجد أو جَاْ وعيدُه بنفيٍ لإيمانٍ ولعنٍ مؤبد
وحفيد المجد: هو شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀.
أو جا وعيده بنفي لإيمان: أي مثل: لا يؤمن من فعل كذا وكذا، ليس منا من فعل كذا وكذا.
ولعن مؤبد: هو ما ذكر فيه اللعن مثل: "لعن الله من لعن والديه" (^٢)، وأشباه ذلك، فزاد ثنتين مع الثنتين الأوليين فتكون أربعًا.
ولشيخ الإِسلام ﵀ كلام آخر قال فيه: ما رتب عليه عقوبة خاصة دينية أو دنيوية فهو من كبائر الذنوب، وما كان فيه مجرد التحريم أو مجرد النهي فهو من الصغائر، ووجه ذلك: أن تخصيص الذنب بالعقوبة يدل على عظمه، وإلا لاكتفى بالعقوبات العامة على الذنوب، فكونه ينص على عقوبة خاصة فيه يدل على عظمه.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب اللباس، رقم (٥٤٤٧).
(٢) رواه مسلم، كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله، حديث رقم (١٩٧٨) عن علي بن أبي طالب.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وهذا الضابط الذي ذكره شيخ الإِسلام ﵀ ضابط لا بأس به، لكنه سوف يدخل فيه ذنوب كثيرة، ولكننا لم نجد فارقًا يفرق بين الصغائر والكبائر إلا بمثل ذلك، فإذا رتبت عقوبة خاصة دنيوية أو دينية أو أخروية على ذنب فهو كبيرة.
فالدينية: مثل أن يقال: "والله لا يؤمن .. من لا يأمن جاره بوائقه" (^١) فهذه دينية بنفي الإيمان.
والدنيوية: كالحد.
والأخروية: كالوعيد: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم" (^٢)، وهذا تعريف للكبيرة بالحد.