فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح" (^١).
ويجب أن يتقي في ضربها ما أمر باتقائه كالوجه مثلًا؛ فإنها لا تضرب فيه، وسيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد.
قوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ أي: قمن بما يجب عليهن من الطاعة، ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ بمعنى: لا تطلبوا عليهن سبيلًا؛ أي: اتركوا الماضي، فإن قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ ليس للمستقبل فقط، بل حتى الماضي اتركوه وتناسوه، ولا تأتوا له ببحث أو إثارة؛ لأن تذكير الماضي يؤدي إلى استمرار النشوز والمعصية، ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ وكأن شيئًا لم يكن.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ الجملة هنا استئنافية للتحذير من التعالي والكبرياء على النساء؛ لأن الرجل إذا شعر بأنه قائم على المرأة وذو سلطة عليها، إلى حد أن الشرع مكنه من ضربها في المرحلة الثالثة، ربما يتعالى عليها ويتكبر، فقال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ أي: فاعلموا أن علوكم على النساء يوجد فوقه ما هو أعلى منه، وهو علو الله ﷿؛ وكبرياء الله ﷿، فلا تتعالوا عليهن ولا تتكبروا عليهن؛ لأن فوقكم من هو أعلى وأكبر، وهو الله ﷿.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء: ٣٥].
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، حديث رقم (١٢١٨) من حديث جابر.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وهذه هي المرحلة الرابعة بعد المراحل الثلاث، وهي أننا إن خفنا الشقاق، ولم تثمر المراحل الثلاث؛ فحينئذ يوجه الخطاب للأمة: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾، ولم يقل: فليبعثا حكمًا، فهنا انعزل الزوجان، وصار المجال مجال الحاكم الشرعي الذي يمثل الأمة، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فَابْعَثُوا﴾ خطابًا للأمة، لكن ليس المعنى كل واحد في السوق وفي المسجد، بل يبعث من ينوب عن الأمة، وهو الحاكم الشرعي، فيكون الخطاب هنا للأمة مرادًا بها من يمثلها وهو الحاكم الشرعي.
وقوله: ﴿فَابْعَثُوا﴾ أي: أرسلوا، والبعث بمعنى الإرسال.
﴿حَكَمًا﴾: الحَكَم ذو الحكم النافذ؛ أي: المحكم، فهو أخص من الحاكم؛ لأنه ذو الحكم النافذ فهو المحكم.
وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾: والحكم لا بد أن يكون ذا علم وأن يكون ذا بصيرة بالواقع، ومن المعلوم أنه لا بد أن يكون بالغًا عاقلًا رشيدًا، عالمًا بالحكم الشرعي، وعالمًا بواقع الزوجين، وما هي المشاكل، وما الذي أثار هذه المشاكل.
أما أن يأتي إنسان عامي أو غشيم ثم يريد أن يكون حكمًا بين الزوجين، فهذا لا يصلح.
فإذا اجتمع الحكمان فهنا تأتي النية ويكون لها تدخل، فإما أن يريد الحكم من أهل الزوج أن ينتصر الزوج، والحكم من أهل الزوجة أن تنتصر الزوجة، وفي هذه الحال لا يوفق الرجلان؛ لأن النية هنا غير سليمة، وإما أن يريد الحكم من أهل الزوج، والحكم من أهل المرأة الإصلاح بينهما، فحينئذ يقول الله ﷿، وهو الصادق في قيله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
[ ١ / ٢٩٤ ]
والضمير في قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ يعود إلى الحكمين؛ لأنهما اللذان يحكمان، ونية الإصلاح تكون منهما لا من الزوجين؛ لأن الزوجين بينهما شقاق، وكل واحد منهما يريد أن ينتصر لنفسه، فالغالب أنهما لا يريدان الإصلاح، لكن الذي يريد الإصلاح هما الحكمان.
وقوله: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ الضمير في ﴿بَيْنَهُمَا﴾ هل يعود على الزوجين اللذين خفنا الشقاق بينهما، أو يعود على الحكمين اللذين يدلي كل واحد منهما بما يرى أنه حجة؟ فيه احتمالان:
الإحتمال الأول: أن يعود إلى الزوجين؛ لأن القضية في شأنهما، والحكمان إنما ينظران في شأن الزوجين، فيكون الضمير عائدًا إلى الزوجين.
الإحتمال الثاني: أن يكون الضمير عائدًا إلى الحكمين؛ لأن الحكمين سيأتي كل واحد منهما بما يقابل الآخر، فيكون المراد بأن يوفق الله بينهما: أن تلتقي أقوالهما ولا يحصل بينهما نزاع، فلا ينتصر الحكم من أهل الزوج للزوج، ولا الحكم من أهل الزوجة للزوجة.
ونقول بأنه عام لهذا وهذا فعندما يوفق الله بين الحكمين، فإن الله تعالى أيضًا بمنه وكرمه يوفق بين الزوجين.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ أي: عالم خبير، والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، والعلم بالظواهر والبواطن هو العلم، وعلى هذا فيكون ذكر الخبير بعد العليم من باب ذكر الخاص بعد العام، والجملة استئنافية لبيان لطف الله ﷿ فيما يجري من الحكمين؛ لأنه ﷿ عالم خبير بما يحدث بينهما من الحكم بين الزوجين.
[ ١ / ٢٩٥ ]