٣١ - تحريم سوء النية في الحكم، وأن سوء النية يفضي إلى فساد الأمر؛ لأن ما حصل بشيء فات بفواته.
٣٢ - أن الأمور بيد الله ﷿ حتى الأمور الجزئية، لقوله: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، فيكون في هذا رد على المعتزلة الذين يرون أن العباد يخلقون أفعالهم ولا علاقة لله بها، وهم قدرية، فالمعتزلة قدرية.
٣٣ - أن الجزاء من جنس العمل، وجهه: أنه لما أرادا الإصلاح أثابهم الله ﷿، بالتوفيق لقوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
٣٤ - إثبات صفتي العلم والخبرة، من قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾، والخبرة أخص من العلم؛ لأنها علم ببواطن الأمور، ولا يستفاد من قوله: ﴿كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ أنه الآن ليس كذلك، بل كان ولا زال، والمراد بها تحقيق الصفة، فهي مسلوبة الزمان.
٣٥ - أن للحكمين التفريق والتوفيق بين الزوجين اللذينِ خيف الشقاق بينهما، سواء بعوض أو بدون عوض.
٣٦ - أن حكمهما ملزم؛ لأن الله سماهما حكمين، والحكم قوله لازم وحكمه فصل.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
[ ١ / ٣٠٣ ]
﴿وَاعْبُدُوا﴾ العبادة التذلل والتطامن، والخضوع والتواضع، وما أشبه ذلك، وكلها تدور على الذل، ومنه قولهم: طريق معبد أي: مذلل للسالكين مهيأ لهم، والمراد بعبادة الله سبحانه: القيام بأمره.
قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ لا: ناهية، والشرك: أن يساوى غير الله بالله فيما هو من حقوقه فيجعل ندًا له.
وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي، فتعم أن لا تشركوا بالله نبيًا ولا رسولًا، ولا ملكًا ولا أي شيء، ثم النهي عن الشرك يشمل أي نوع من أنواع الشرك، وسيأتي إن شاء الله في استنباط الفوائد ما فيه الكفاية.
قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: عطف حق الوالدين على حق الله ﷿؛ لأن حق الله أعظم الحقوق، وحق الرسول - ﷺ - أعظم من حق الوالدين، لكنه داخل في حق الله؛ لأن العبادة لا تتم إلا بإخلاص ومتابعة، والمتابعة هي أداء حق الرسول ﵊.
وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾: تثنية والد وهما الأم والأب، ويدخل في ذلك الجد والجدة، ولكن حق الأقرب أولى من الأبعد.
وقوله: ﴿إِحْسَانًا﴾ مصدر أحسن يحسن، وهل الجار والمجرور متعلق به، أو هو متعلق بفعل محذوف دل عليه المصدر؟
فعلى الأول يكون تقدير الكلام وإحسانًا بالوالدين، ويكون المصدر هنا بمعنى الفعل، وعلى الثاني يكون التقدير: وأحسنوا ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؟ الأقرب أن يكون الجار والمجرور متعلقًا
[ ١ / ٣٠٤ ]
بمحذوف دل عليه المصدر الموجود؛ وذلك لأن عمل المصدر ضعيف فلا يسبقه معموله، فالمصدر لا يعمل فيما قبله، وعلى هذا فنقول: ﴿إِحْسَانًا﴾ مفعول مطلق عامله محذوف، والتقدير: أحسنوا ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
ومعاملة الوالدين لا تخلو من إحدى حالات ثلاث: إساءة، وإحسان، ولا إساءة ولا إحسان، والمأمور به هو الإحسان، وضده الإساءة، أو لا إساءة ولا إحسان، فلا بد من الإحسان بالوالدين.
وقوله: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ ذي: بمعنى صاحب، والقربى بمعنى القرابة، والدليل على أن القربى بمعنى القرابة قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] أي: المودة في القرابة؛ أي: بسبب القرابة؛ أي: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ولكن ودوني بسبب قرابتي منكم لأنني ابنكم.
فهنا قوله: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ أي: بصاحب القرابة، فنص على الوالدين أولًا، وثنى بالقرابة، وذلك لأنه لا قرابة لك إلا بواسطة الوالدين، فمن الذي وصلك بعمك أو بخالك أو بأخيك أو بأختك إلا الوالدان، فلهذا جعلت منزلة القرابة بعد منزلة الوالدين.
قوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾: جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل أن يبلغ، وإنما أمر بالإحسان إلى اليتامى لانكسار قلوبهم بفقد مربيهم وهو الأب، فأما من ماتت أمه دون أبيه فليس بيتيم.
قوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: جمع مسكين، وهو المعدم من المال، ويدخل فيه هنا الفقير؛ لأن الفقير والمسكين كلمتان إن ذكرتا
[ ١ / ٣٠٥ ]
جميعًا اختلف المعنى فيهما، وإن انفصلت إحداهما عن الأخرى صارت كل واحدة بمعنى الأخرى.
وسمي المعدم مسكينًا لأن الفقر أسكنه وأذله، فالإنسان الفقير ذليل، ولهذا لا يطمع أن يصل إلى المرتبة التي وصل إليها الأغنياء إلا إذا كان فيه وصف يصعد به إلى درجة الأغنياء.
فمثلًا: الإنسان الفقير يعرف نفسه أنه ضعيف الرتبة عن الأغنياء، لكن لو فرض أن هذا الإنسان الفقير شجاع مقدام، صار هذا الوصف الذي فيه يرقيه إلى أن يكون في مرتبة الأغنياء أو أكثر، ولو فرضنا أن هذا الفقير ذو علم، صار في منزلة ترقيه إلى درجة الأغنياء أو أكثر، لكن مجرد كونه آدميًا وهو فقير لا يطمع في أن ينال مرتبة الأغنياء، ولهذا وصى به الله ﷿.
قوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الجار: هو من كان قريبًا منك في المنزل، ومن المعلوم أنه يختلف قربه بحسب المسافة، ولكن الجار القريب إما أن يكون قريبًا منك في النسب أو بعيدًا، وأشار الله تعالى إلى الصنفين، فقال: ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ أي: ذي القرابة، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ أي: البعيد؛ لأن الجيم والنون والباء كلها مادة تدل على البعد، فالمعنى الجار البعيد الذي ليس بينك وبينه قرابة.
وقيل: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ أي: القريب منك في السكن، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ البعيد في السكن، ولكن المعنى الأول أصح، والمعنى الثاني يغني عنه قوله: ﴿وَالْجَارِ﴾؛ لأن الجار هو من قرب منك في المنزل، ويعلم منه أنه كما قرب منك في المنزل كان أقرب جوارًا.
[ ١ / ٣٠٦ ]
قوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ يعني: الذي يصاحبك في جنبك، وقد اختلف المفسرون فيه، فقيل: إنه الزوجة، وقيل إنه صاحبك في السفر، واللفظ يحتمل المعنيين فيحمل عليهما، فالإنسان مأمور بأن يحسن بـ ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ أي: بالزوجة أو بالصاحب في السفر؛ لأن كلًا منهما له حق للصحبة.
قوله ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي: المسافر، والسبيل الطريق، وسمي المسافر ابن سبيل لملازمته له، كما يقال: "ابن الماء" لطير الماء الملازم للماء، فهناك طيور تلازم الماء، وتحوم على البحار تلتقط ما يحصل من سمك وغيره، فيسمى هذا الطير ابن الماء، ويسمى المسافر الذي جد به السير ابن السبيل؛ لأنه ملازم للطريق.
قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: أحسنوا بما ملكت أيمانكم، وكلمة "ما" اسم موصول؛ أي: والذي ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والإسم الموصول يفيد العموم، فيشمل ما ملكت أيماننا من الإنسان وما ملكت أيماننا من الحيوان، وكلاهما مأمور بالإحسان إليه، والإحسان إلى الإنسان أوكد من الإحسان إلى البهائم، ولهذا نجد أننا نكفل البهائم من أجل مصلحتنا، ونذبح الشاة نتفكه بها لحمًا، وعلى هذا نقول: ما ملكت الأيمان يشمل الإنسان والحيوان، ولكنه بالإنسان أوكد؛ لأن حق الإنسان أعظم من حق الحيوان.
ثم قال الله ﷿ في ختام الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ أي: إن الله لا يحب الذي كان مختالًا، و﴿كَانَ﴾ هنا فعل ماض لكنها مسلوبة الزمنية، والمراد لا يحب
[ ١ / ٣٠٧ ]
من اتصف بالإختيال والفخر، والمختال في هيئته، والفخور بلسانه، فالإختيال يكون بالفعل والفخر يكون باللسان، فمن كان مختالًا في فعله فإن الله لا يحبه، ومن كان فخورًا بقوله فإن الله لا يحبه أيضًا.
وختم الآية بهذه الجملة لأن الغالب أن من يستكبر عن عبادة الله، وعن هذه الوصايا النافعة؛ فالغالب عليه أنَّ فيه اختيالًا، وفيه فخرًا واستنكافًا واستكبارًا، فلهذا ختم الله هذه الآية المشتملة على هذه الوصايا العظيمة بهذه الجملة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
فهذه الآية فيها بيان حقوق: حق الله، وحق غيره من الناس، وغير الناس.