* قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾: هذا وصف قبيح أيضًا، وعطف الصفات بعضها على بعض مع أن الموصوف واحد يفيد إثبات ما سبق، وأن هذا أمر زائد عليه، والصفات المتكررة لموصوف واحد يجوز فيها وجهان في اللغة: إسقاط حرف العطف، وإثبات حرف العطف.
فقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى: ١ - ٤] فهذه الآيات جمعت بين الأمرين بين حذف حرف العطف وبين إثباته، فالصفة الأولى فيها إسقاط حرف العطف ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)﴾، والصفة الثانية والثالثة فيها إثبات حرف العطف، مع أن الموصوف واحد، ولكن التغاير هنا بين المعطوف والمعطوف عليه تغاير صفة لا تغاير ذات، ولكن حرف العطف يفيد إثبات ما سبق.
هنا قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾، "ينفقونها": يبذلونها، و﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: مفعول من أجله؛ أي: من أجل أن يراهم الناس فيمدحوهم على البذل، وليس ذلك من أجل التقرب إلى الله، لقوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فلا يؤمنون بالله فيتقربوا إليه، ولا باليوم الآخر فيرجوا ثوابه، بل هم منكرون لله ولليوم الآخر، وهذا فيمن كان كفره تمامًا، أما من كان كفره ظاهرًا فإنه قد ينفق رئاء الناس
[ ١ / ٣٢١ ]
ولكن لا يصل ذلك إلى حد نفي الإيمان بالله واليوم الآخر.
قوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾: والإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه منفرد بذلك.
وقوله: ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: اليوم الآخر هو يوم القيامة، وسمي يومًا آخر لأنه لا يوم بعده، فكل ما سبق فإن بعده شيئًا، فالدار الأولى البطن، وبعدها الخروج إلى الدنيا، وبعد الخروج إلى الدنيا البرزخ، ثم اليوم الآخر النهاية، ولهذا نقول: إن القول عن الميت "إنه حُمِل إلى مثواه الأخير"، كلمة خطيرة جدًا، مضمونها إنكار البعث؛ لأنه إذا كان القبر مثواه الأخير فمعناه أنه ليس بعده بعث، وهذه الكلمة يكثر ذكرها في الجرائد والمجلات، وعلى ألسنة بعض من يدَّعون أنهم مثقفون، لكنها في الواقع غير صحيحة إلا لإنسان لا يؤمن بالبعث.
قوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾: هنا إشكال نحوي وهو جر الفعل المضارع، في قوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾ والمعروف أن الجر إنما يكون في الأسماء، لكنه غير مجرور؛ وإنما محرك بالكسر لالتقاء الساكنين، ولولا الساكن الذي بعده وهو همزة الوصل، لكان مجزومًا.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ﴾ ولم يقل: ومن يكون لأن "مَن" شرطية تجزم فعلين، الأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه.
قوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ المراد به الجنس؛ لأن كل واحد من الناس له قرين، فالمراد الشيطان الذي هو القرين السوء، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ
[ ١ / ٣٢٢ ]
قَرِينٌ (٣٦)﴾ [الزخرف: ٣٦] أي: يقارنه دائمًا، فإذا عشى عن ذكر الرحمن وأعرض عن ذكر الله، جاءه الشيطان فصار يأمره بالمنكر وينهاه عن المعروف.
وقوله: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾: الجملة جملة إنشاءٍ للذم، واقترنت بالفاء في جواب مَن لأن الفعل جامد، وقد قيل فيما يجب اقترانه بالفاء إذا وقع جوابًا للشرط:
اسميةٌ طلبيةٌ وبجامدٍ وبما وقد وبلن وبالتنفيس
فإذا وقع جواب الشرط واحدة من هذه الجمل السبع وجب قرنه بالفاء، وقد تحذف قليلًا كقول الشاعر:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
والتقدير: فالله يشكرها، لكن هذا قليل.
وكلمة "ساء" تحتاج إلى فاعل، والفاعل هنا محذوف تقديره: فساء قرينًا قرينه.