إذًا: لا بد من عمل مع الإتكال على الله ﷿.
٨ - إثبات العلم لله تعالى بأحوال عباده، لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾.
- ويتفرع على هذه الفائدة: الرغبة والرهبة، وذلك لأنك إذا علمت أن الله عليم بك خفت من مخالفته، ورجوت في موافقته، إذ لا يضيع شيءٌ على الله ﷿، والإيمان بعلم الله ﷿ يكسب الإنسان مراقبة الله سبحانه تمامًا؛ لأن أي شيء تفعله فهو عليم بك، فهذا يحمل الإنسان على الرجاء في فعل ما يحبه الله، وعلى الخوف من فعل ما يكرهه الله ﷿.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾: أصل الظلم النقص، لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئًا، فهذا أصل الظلم، فالله لا ينقص الناس شيئًا، ولا ينقص الناس حقهم، كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢] أي: ظلمًا بعقوبته على شيءٍ لم يفعله، ولا هضمًا: أي نقصًا من ثواب حسناته.
وقوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: زنة ذرة، والذرة يضرب بها المثل في التحقير، وإلا فإن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة ولا دونه، وما جيء به على سبيل التحقير أو التكثير فإنه لا مفهوم له، كما قيل به في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ
[ ١ / ٣٢٩ ]
يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قيل إن المراد بذلك التكثير، وأن الرسول لو استغفر لهم سبعمائة ألف مرة ما غفر لهم، وحينئذٍ لا يكون له مفهوم، كذلك ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ المقصود بها المبالغة في التحقير، وما كان المقصود به المبالغة في التحقير فإنه لا مفهوم له.
وعلى هذا فلو سألنا سائل: هل يظلم الله دون مثقال ذرة: قلنا: لا.
قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ فيها قراءتان "وإن تك حسنةٌ"، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ ويختلف الإعراب على الوجهين، فعلى الرفع "وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ" تكون "كان" على هذه القراءة تامة؛ أي: لا تحتاج إلى خبر، والمقصود بكان التامة مجرد الدلالة على الحدوث لا على صيرورة شيءٍ إلى شيءٍ آخر، وأما "كان" الناقصة فإنها تدل على صيرورة شيءٍ إلى شيءٍ آخر، مثل: كان الرجل قائمًا، أي: بعد أن لم يكن قائمًا.
وبالنصب على أنها ناقصة، واسمها مستتر تقديره هي؛ أي: وإن تكُ الفعلةُ التي يفعلها الإنسان حسنة يضاعفها.
وفي قوله: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ أيضًا قراءتان "يُضْعفها" و﴿يُضَاعِفْهَا﴾ وهي على القراءتين ساكنة الفاء؛ لأنها جواب الشرط المذكور في قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾.
ومعنى "يضعفها" أو ﴿يُضَاعِفْهَا﴾: يجزي أكثر من الحسنة، وقد دلت النصوص على أن الحسنة تكون بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، وأن السيئة بمثلها.
قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هذا معنى قوله في
[ ١ / ٣٣٠ ]
الحديث: "إلى أضعافٍ كثيرة" (^١).
فقوله: ﴿وَيُؤْتِ﴾: معطوفة على يضاعف، ولهذا جاءت مجزومة بحذف الياء.
وقوله: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾: أي من عنده.
والفائدة من ذكر قوله: "من لدنه" الإشارة إلى أن هذا الأجر عظيم جدًا، وذلك لأن العطاء يعظم بعظم المعطي، ونظير هذا ما علمه الرسول - ﷺ - أبا بكر - ﵁ - قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا .. " إلى قوله: "فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني .. " (^٢).
﴿أَجْرًا﴾: أي ثوابًا.
﴿عَظِيمًا﴾: أي ذا عظمةٍ كثيرة لا يتصورها الإنسان.