هذا نفي زيادة السيئات، والتضعيف في الحسنات: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾.
٦ - أن الله تعالى يجزي على الحسنة ثوابًا أكثر من المقابلة، فلا يقال: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فقط، بل هناك شيء فوق هذا وهو قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
٧ - أن الحسنة تجذب الحسنة، وتؤخذ من قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ لأن هذا الأجر قد يكون سببه زيادة الحسنات بسبب الحسنة الأولى، فمن نعمة الله ﷿ أن الإنسان إذا عمل العمل الصالح وفق لعمل آخر.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١].
لما ذكر أن الله ﷿ لا يظلم مثقال ذرة، قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، والإستفهام هنا للتعظيم أو للتعجب؛ أي: كيف تكون الحال ﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، وذلك يوم القيامة، حيث يأتي الله تعالى من كل أمة بشهيد.
والشهيد هو الرسول، يشهد على أمته بأنه بلغ رسالة ربه، فهذا شهيد كل أمة.
وهناك شهادة عامة وهي شهادة هذه الأمة على من قبلها من الأمم، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
[ ١ / ٣٣٤ ]
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾: أمة جاءت في القرآن الكريم لعدة معان:
المعنى الأول: الطائفة، كهذه الآية؛ وكقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣].
المعنى الثاني: الإيمان؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠].
المعنى الثالث: الزمن؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أي: بعد زمن ومقداره بضع سنين، كما قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢].
المعنى الرابع: الدين؛ كقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢].
وقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾:
﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ المشار إليه أمة محمد - ﷺ -؛ أي: إذا جئنا بك شهيدًا على هؤلاء ماذا تكون الحال؟ ولما بلغ عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذه الآية حين أمره رسول الله - ﷺ - أن يقرأ عليه، حيث قال له النبي ﵊: "اقرأ"، قال: كيف أقرأ وعليك أنزل، فقال النبي - ﷺ -: "إني أحب أن أسمع القرآن من غيري"، فقرأ حتى إذا بلغ هذه الآية قال: "حسبك"، قال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان (^١).
فالله ﷿ سوف يستشهده على أمته يوم القيامة أنه بلغ
_________________
(١) رواه البخاري كتاب، باب قول المقرئ للقارئ حسبك، حديث رقم (٤٧٦٣)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل استماع القرآن ..، حديث رقم (٨٠٠) عن ابن مسعود.
[ ١ / ٣٣٥ ]
البلاغ المبين، ولهذا استشهدهم هو ﵊ ليقروا على أنفسهم بذلك، استشهدهم في حجة الوداع حين خطبهم وقال: "ألا هل بلغت؟ " قالوا: نعم، فرفع إصبعه إلى السماء وجعل ينكتها إلى الناس ويقول: "اللهم اشهد، ألا هل بلغت" قالوا: نعم، قال: "اللهم اشهد، ألا هل بلغت" قالوا: نعم، قال: "اللهم اشهد" (^١).
ولا شك أن الصحابة ﵃ يمثلون الأمة كلها، فإقرارهم بأنه بلغ هو إقرار من الأمة جميعًا، ونحن نشهد أنه بلغ البلاغ المبين ﵊، وأنه ترك الأمة على محجةٍ بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
وقوله ﷿: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾:
﴿شَهِيدًا﴾: حال من الكاف في قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾.