فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى عن عيسى ﵇: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]؟
فالجواب: أن هذا لا يعارض ما ذكر هنا، فإنه شهد على أمته الذين باشر إبلاغهم، أما بعد موته فإن الأمر إلى الله ﷿، وهو الذي يتولاهم ويتولى من بعدهم.
٤ - أن نبينا - ﷺ - سيكون شهيدًا علينا، لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
فإن قال قائل: هل الذين ورثوا النبي - ﷺ - وهم العلماء - يكونون شهداء على الأمة؟
الجواب: نعم، يكونون شهداء على الأمة؛ لأنهم هم الذين بلغوا رسالة محمد - ﷺ -، ولهذا جاء فى الحديث: "أن العلماء ورثة الأنبياء" (^١).
* * *
* قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء: ٤٢].
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا موقع الإستفهام والتفخيم.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يعني يوم إذ نأتي من كل أمةٍ بشهيد وبك
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم، حديث رقم (٣٦٤١)؛ والترمذي، كتاب العلم، باب فضل الفقه على العبادة، حديث رقم (٢٦٨٢)؛ وابن ماجه في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، حديث رقم (٢٢٣)؛ وأحمد (٥/ ١٩٦) عن أبي الدرداء.
[ ١ / ٣٣٧ ]
شهيدًا على هؤلاء، يود الذين كفروا، والمودة: هي التمني وهي أعلى المحبة؛ أي: يحبون محبة هي أعلى المحبة.
قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: جحدوا ما يجب الإيمان والإقرار به.
قوله: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ أي: خالفوا أمره فلم يمتثلوا الأمر ولم يجتنبوا النهي؛ لأن المعصية هنا تشمل التفريط في الأوامر وكذلك فعل النواهي.
وقوله: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ الرسول هنا المراد به الجنس، وليس المراد به العهد؛ لأنه يشمل كل رسول.
قوله: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾: فيها قراءتان ﴿تُسَوَّى﴾ و"تَسَوَّى"، فعلى قراءة الضم ﴿تُسَوَّى﴾ تكون الأرض نائب فاعل، وعلى قراءة الفتح تكون الأرض فاعلًا، ومعن ﴿تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي: يدفنون فيها ولا يظهرون فيها، فيكونون كأنهم جزء من الأرض ولا يحاسبون.
وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ الواو حرف عطف، وجملة ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿يَوَدُّ﴾ وليست على قوله: ﴿تُسَوَّى﴾، وذلك لأنها لو كانت عطفًا على ﴿تُسَوَّى﴾ لفسد المعنى، إذ يكون المعنى: يودون لو أنها تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا، فعلى هذا التقدير يكونون قد أقروا بما هم عليه، وكتموا الحديث لو جعلناها معطوفة على ﴿تُسَوَّى﴾، والواقع أنهم لم يكتموا الله شيئًا، ولهذا يودون لو تسوى بهم الأرض والحال أنهم لا يكتمون الله حديثًا؛ أي: يقرون بالكفر والشرك.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ أي: ما يحدثون به عن أنفسهم، بل يقرون إقرارًا كاملًا بأنهم كفروا وعصوا الرسول.