إلا على سبيل المجاز، وإلا فالحقيقة أنه ليس فعله؛ لأنه ليس باختياره.
أما على القدرية: فلإثبات الأسباب في قوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾، وهم يقولون: إن فعل الإنسان مستقل، ليس لله فيه تدخل إطلاقًا، فأنت تفعل وتترك وتقوم وتقعد وتذهب وتجيء وليس لله تعالى فيه أي تعلق.
وأهل السنة والجماعة يقولون: عمل الإنسان باختياره ولا شك، ولكن الذي جعله باختياره هو الله، فيكون ناتجًا عن مشيئة الله وخلق الله، وخالق السبب التام خالق للمسبب.
٢٠ - أن هؤلاء اليهود يقل فيهم الإيمان بالنسبة للمؤمنين، أو بالنسبة لهم جميعًا حسب ما قلنا في الإستثناء: هل الإستثناء عائد للواو أو عائد إلى الفعل، ولا شك أن اليهود على قوة ما جاءهم من الوحي أن فيهم العتاة، وإلا فإن الرسول - ﷺ - رأى في المنام أكثر الأمم أمة موسى ﵇ بعد هذه الأمة؛ لأنه يقول: "فنظرت فإذا سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه" (^١).
* * *
* قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره، وفضل من لم يكتو، حديث رقم (٥٣٧٨)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، حديث رقم (٢٢٠).
[ ١ / ٣٧٩ ]
كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾ [النساء: ٤٧].
النداء في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ المراد به اليهود إرادة أولية، وكذلك النصارى لأنهم أوتوا الكتاب، والكتاب الذي أوتيه اليهود هو التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵇، كتبها بيده سبحانه، وأنزلها على موسى ﵇، أما الكتاب الذي نزل على عيسى ﵇ فهو الإنجيل.
قوله: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ وهو القرآن وقال: ﴿نَزَّلْنَا﴾ لأنه نزل شيئًا فشيئًا حسب ما تقضيه حكمة الله ﷿.
قال العلماء: والفرق بين نزَّلنا وأنزلنا، أن ﴿نَزَّلْنَا﴾ إذا اجتمعت مع "أنزلنا" صار المراد بها التفريق، قال الله ﵎: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] وقال تعالى ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦]، فالقرآن منزل تنزيلًا على حسب ما تقتضيه حكمة الله، إما أن تكون واقعة يتحدث الله عنها، أو مشكلة يفتي الله تعالى بها، أو غير ذلك.
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي: للذي معكم، والذي معهم هو التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، والتصديق له وجهان:
الوجه الأول: أنه مصدق لها؛ أي: شاهد بما جاءت به وأنه حق، والقرآن مملوء من ذلك؛ أي: من أن الكتب السابقة المنزلة على الرسل كلها حق.
والوجه الثاني: أنه مصدق لها، حيث جاء على وفق ما أخبرت به؛ لأن هذا القرآن الكريم والنبي - ﷺ - قد ذكرا في التوراة
[ ١ / ٣٨٠ ]
والإنجيل، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾: هذا تحذير وتهديد لهم إذا تأخروا عن الإيمان أن يحصل لهم هذا.
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: هذا الطمس اختلف العلماء فيه، فقيل: إنه طمس معنوي بحيث لا ترى الحق، ولا تسمعه، ولا تنتفع به، ويردها الله على أعقابها فتهوي في الكفر.
وقيل: بل هو طمس حسي، وذلك بأن تطمس الوجوه حتى تكون كخف البعير ليس فيها عين ولا أنف ولا شفة ولا حاجب، بل هي كالقفا تمامًا، فكما أن قفا الرأس ليس فيه شيء من ذلك، فهذه أيضًا تطمس حتى تكون وجوههم كأقفائهم، ثم بعد ذلك: ترد على الأدبار.
وقيل المراد بالطمس: طمس حسي، ولكن هو أن تلوى الأعناق وتكون الوجوه من الخلف، وهذا معنى قوله: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ والقاعدة التفسيرية: أنه إذا كانت الآية تحتمل وجهين لا يناقض أحدهما الآخر فإنها تحمل على الوجهين جميعًا؛ لأن كلام الله معناه واسع، فإذا كان اللفظ يحتمل هذا وهذا، وليس بينهما مناقضة، فالواجب حمله على الوجهين، فهنا نقول: إن الله تعالى هددهم بالطمس الحسي والطمس المعنوي.
قوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ أي: نطردهم عن
[ ١ / ٣٨١ ]
رحمتنا ونوقع بهم من النكال ما وقع لأصحاب السبت، والذي وقع لأصحاب السبت هو أنهم قيل لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] فكانوا قردة خاسئة ذليلة تتعاوى، والعياذ بالله.
والفرق بين التهديدين: أن الأول حسي خاص بجزء من البدن وهو الوجه، أما الثاني فهو عام يقلب الصورة كاملة والعياذ بالله إلى صورة قرد.
ويُذكر أن عبد الله بن سلام - ﵁ - لما سمع بهذه الآية أقبل مسرعًا ويده على وجهه يخشى أن يطمس، حتى جاء إلى الرسول - ﷺ - وآمن به، وكذلك يذكر عن كعب الأحبار في عهد عمر - ﵁ -، والله أعلم، ولكن لا شك بأن المؤمنين منهم سوف يخافون هذا الأمر.
فإن قال قائل: إنهم لم يؤمنوا ولم يقع بهم هذا التهديد، فما الجواب؟
فالجواب: أنه لما آمن بعضهم ارتفع هذا التهديد؛ لأن هذا التهديد معلق بما إذا لم يؤمن أحد منهم، وقيل: إن الله ﷿ هددهم بهذا، والتهديد قائم إلى يوم القيامة، فإذا قدر أنه لم يقع فيما مضى فإنه متوقع؛ لأن الله سبحانه هددهم به فقال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾.
والوجه الأول قد يكون أقرب؛ لأن تهديد أهل الكتاب الذين في عهد رسول الله ﵊ بأمر لا يكون إلا قبيل قيام الساعة لا معنى له، ولا وجه له، فيقال: إنه لما آمن بعضهم رفع عنهم هذا التهديد، وقامت الحجة على الباقين، حيث آمن من كان منهم واعترف بالحق.
[ ١ / ٣٨٢ ]
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ نعم والله، أمر الله مفعول، ومن يرد أمر الله؟ لا أحد يرده، فأمر الله لا بد أن يقع.
والأمر هنا بمعنى المأمور؛ يعني كان مأمور الله؛ أي: ما أمر به (مفعولًا).
ويحتمل أن يكون الأمر هو الأمر الكوني؛ أي: القضاء، ويكون المفعول بمعنى الواقع، وأيًا كان، سواء قلنا: إن الأمر بمعنى المأمور، وهذا لا بعد فيه؛ لأن الأمر مصدر، والمصدر يأتي أحيانًا بمعنى اسم المفعول؛ كقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] أي: وأولات المحمولين؛ لأن الأحمال جمع حمل، والحمل هو الجنين في البطن، وكما في قوله - ﷺ -: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (^١) أي: مردود.