٥ - أن المشرك مفترٍ على الله، لقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾.
٦ - أن هذا الكذب من أعظم الكذب، لقوله: ﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾ وفي آية أخرى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، فهو ضال في دينه، وهو أيضًا مفتر إثمًا عظيمًا في قوله.
٧ - إثبات المشيئة لله، لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ولكن سبق في التفسير أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]، وظاهر قوله تعالى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أنه شامل للشرك الأصغر والشرك الأكبر، وبذلك صرح شيخ الإسلام ﵀ في كتاب الإختيارات، أن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ولكن يجب أن نعلم أنه ليس معنى قولنا: إن الشرك الأصغر لا يغفر أن صاحبه يخلد في النار، بل يعذب على قدر عمله ثم يدخل الجنة، أما الشرك الأكبر فلا يغفر وصاحبه مخلد في النار، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
* * *
* قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩].
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: الإستفهام هنا للتعجب والتقرير، يعني: ألا تتعجب من حال هؤلاء القوم، والخطاب في
[ ١ / ٣٩١ ]
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إما لرسول الله - ﷺ -، والخطاب الموجه إليه موجه للأمة عن طريق التبع؛ لأن الأمة فرع.
وقيل: إن الخطاب موجه لكل من يتأتى خطابه؛ أي: لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، والثاني أعم؛ لكن القولين لا يتنافيان؛ أي: حتى لو قلنا إن أصل الخطاب للرسول ﵊ فخطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ جواب الإستفهام محذوف أي: أتحصل لهم التزكية، فهذا هو المعنى؛ لأنه إذا جاء مثل هذا الكلام فلا بد أن يكون هناك جملة استفهامية إما مذكورة وإما محذوفة.
وقوله: ﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: ينسبونها إلى الزكاء وهو ضد الشقاء، والمراد بهؤلاء كل من زكى نفسه، وأول من يدخل في ذلك اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] فزكوا أنفسهم بالعمل والجزاء عليه، زكوا أنفسهم بالعمل حيث قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، وزكوا أنفسهم بالثواب عليه حيث قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وزكوا أنفسهم أيضًا من وجه آخر بالجزاء: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، ومن كان مثلهم؛ أي: من زكى نفسه فإنه آخذ بنصيب من مشابهتهم، فمن قال: أنا ولي، أو أنا تقي، أو ما أشبه ذلك، فقد زكى نفسه، ولا سيما ما يحصل من بعض مشايخ الصوفية الذين يغرون الناس فيقولون:
[ ١ / ٣٩٢ ]
نحن أولياء، ونحن أصفياء وما أشبه ذلك، فهم يزكون أنفسهم من أجل أن يغتر الناس بهم.
وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿بَلِ﴾ هنا للإضراب الإبطالي؛ لأن التقدير: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أتحصل لهم التزكية؟ الجواب: لا تحصل لهم التزكية، ولو كان كل من زكى نفسه حصل له التزكية لكان أخبث الناس يزكي نفسه، فالآن الذين يعبدون الأصنام، أو يعبدون البقر، أو يعبدون الأشجار يقولون: نحن على حق، فيزكون أنفسهم، لكن ترجع التزكية إلى الله، ولهذا أبطل الله هذه التزكية كلها، وقال: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، فقوله "بل" هنا للإضراب الإبطالي.
و﴿بَلِ﴾ تأتي للإضراب الإبطالي، وتأتي للإضراب الإنتقالي، فقوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ [النمل: ٦٦]، هذا إضراب انتقالي من شيء لآخر، والشيء الأول باق، ولكن تنقل بين الأحوال إلى أن يصلوا إلى هذا الحد.
فالحاصل أن الإضراب يكون إبطاليًا ويكون انتقاليًا.
وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾: فهو الذي - يزكي ﷿ -، وهو الذي يثني، قال الله ﵎: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، فأعطى الله تعالى التزكية لهؤلاء، كل بحسب حاله، فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ﴾ فأعطى هؤلاء
[ ١ / ٣٩٣ ]
نصيبهم من الزكاة، وهؤلاء نصيبهم، ثم زكى الجميع على وجه عام فقال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾.
وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، فالله تعالى هو الذي يزكي.
وكذلك رسوله - ﷺ - يزكي أيضًا، فيقول مثلًا: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (^١)، ومن زكاه الرسول - ﷺ - فهو زكي؛ لأن النبي - ﷺ - في مثل هذه الأمور لا ينطق إلا عن وحي.
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هذا تابع للحكمة أيضًا، وكل فعل مقيد بالمشيئة فهو تابع للحكمة، فيزكي ﷿ من كان أهلًا للزكاء، سواء كان الزكاء بعد العمل أو قبل العمل، فمثال التزكية بعد العمل ما ذكرنا من الآيات، والتزكية قبل العمل أن يهب الله للإنسان العمل الصالح، فإنه كما أنه أعلم حيث يجعل رسالته، فهو يعلم حيث يجعل أثر هذه الرسالة، وهي الإيمان والعمل الصالح، فتزكية الله تزكية قبل العمل وتزكية بعده، وهو سبحانه يزكي من يشاء قبل العمل وبعده، وإذا قلنا إن المشيئة تابعة للحكمة، فإنه لن يزكي إلا من كان أهلًا للزكاء.
ثم قال: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ الواو للجماعة، وقوله: ﴿لِمَن
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، حديث رقم (٣٤٥١)؛ ومسلم، كتاب فصائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ..، حديث رقم (٢٥٣٣).
[ ١ / ٣٩٤ ]
يَشَاءُ﴾، مَنْ: اسم موصول لفظه مفرد، فهنا: عاد الضمير إلى مَنْ باعتبار المعنى.
والمراد بقوله: ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: من زكاهم الله ﷿، أو: ولا يظلم من زكوا أنفسهم، فلن يعاقبوا إلا على حسب أعمالهم السيئة، وسواء كان المعنى هذا أو هذا فإن الله لا يظلم أحدًا، فلا يزيد من سيئاته، ولا ينقص من حسناته.
وقوله: ﴿فَتِيلًا﴾ الفتيل: قيل: إنه الفتيل الذي في باطن النواة، فالنواة فيها ثلاثة أشياء كلها مذكورة في القرآن: القطمير والنقير والفتيل، فالقطمير السلب الذي على النواة، والنقير النقرة التي في ظهرها، والفتيل الخيط الذي في بطنها.
وقيل: إن الفتيل ما تفتله بين أصابعك، حال العرق، فإن الإنسان إذا عَرِق وفتل أصابعه حصل شيء، وكذلك إذا حك صدره أو ظهره ظهر الفتيل، لكن الأول هو المشهور، وهو أن الفتيل هو الخيط الذي يكون في بطن النواة، وهو يضرب مثلًا في القلة.