٤ - جواز إسقاط المرأة شيئًا من المهر، أو رده إن كانت قد قبضته، لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
٥ - أنه لو أسقطت شيئًا خجلًا أو حياءً، فإنه لا يحل قبوله، لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾؛ ولهذا قال العلماء: إذا أهدى إليك شخص هدية وأنت تعلم أنه إنما أهدى حياءً وخجلًا، فإنه لا يجوز أن تقبلها منه؛ لأن هذا كالإكراه.
٦ - أن من تملك شيئًا عن طيب نفس فإنه يحل له حاضرًا ومستقبلًا؛ لقوله: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ أي: هنيئًا حين الأكل، مريئًا بعد الأكل.
٧ - أنه لا يحل أخذ شيء من مال الغير بغير طيب نفس منه؛ لأن الله اشترط لحل أكله أن يكون عن طيب نفس، وقد جاءت بذلك السنة صريحة، قال ﵊: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" (^١)، وكذلك جاء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، هذه الآية فيها قراءتان:
_________________
(١) رواه أحمد (٥/ ٧٢)؛ والدارقطني (٣/ ٢٦)؛ والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٨٧)، عن أبي حرة الرقاشي عن عمه، وهو عند الدارقطني (٣/ ٢٥، ٢٦) عن أنس.
[ ١ / ٣٧ ]
القراءة الأولى: بهمزتين محققتين ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
القراءة الثانية: بحذف إحدى الهمزتين: "السفها أموالكم" الأولى على الأصل، والثانية للتخفيف، وكذلك قوله: "قيامًا" فيها قراءتان: "قِيَامًا" و"قِيَمًا"، والمعنى واحد.
يقول الله ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ أي: لا تعطوهم، والسفهاء جمع سفيه، وهو من لا يحسن التصرف، إما لصغر في سنه، وإما لقصور في عقله ورشده، فإن هذا هو السفيه، والسفه يكون في الأموال ويكون في الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، فمن رغب عن ملة إبراهيم الحنيفية السمحة فهو سفيه، وإن كان من أرشد الناس في تصرفه في ماله.
وقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ فأضاف الأموال إلينا، وقد اختلف العلماء في معنى هذه الآية، فقال بعضهم: لا تؤتوا السفهاء أموالكم الخاصة بكم؛ لأنهم سوف يضيعونها بغير فائدة، فتفوت عليكم وتفوت عليهم، وقال بعض العلماء: بل المراد بذلك أموالهم هم، لكنه أضافها إلينا من أجل الولاية، فكأننا بولايتنا على هذا المال نملك هذا المال.
والآية صالحة للوجهين، ومن قواعد التفسير: "أن الآية إذا كانت صالحة لوجهين لا يتنافيان، فإنها تحمل عليهما".
وقوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ﴿جَعَلَ﴾ هنا بمعنى: صيّر؛ أي: الأموال التي جعلها الله لنا قيامًا، تقوم بها مصالح ديننا ومصالح دنيانا، فكم من أسير فك بالمال، وكم من ضرورة أزيلت بالمال، وكم من يتيم جبر قلبه بالمال، فالأموال في
[ ١ / ٣٨ ]
الحقيقة قيام للناس في أمور دينهم ودنياهم، حتى إن الله سبحانه يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس؛ لأن ضرورة الجهاد بالمال أكثر من ضرورتها بالنفس، حتى إن الذي يجاهد بنفسه محتاج إلى المال، فما الذي يوصله إلى ميدان القتال إلا الأموال، ولهذا نجد الله سبحانه يقدم ذكر الأموال في الجهاد على ذكر النفوس.
وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ أي: أعطوهم رزقًا، والرزق هو العطاء، وقوله: ﴿فِيهَا﴾ أي: في الأموال، ولم يقل منها، إشارة إلى أنه لا بد أن يكتسب الولي بمال هؤلاء السفهاء، حتى يكون الرزق فيها لا منها، وفرق بين الرزق فيها والرزق منها؛ لأنه لو لم يتجر فيها ويكتسب صار العطاء منها، فإذا قدرنا أنها مائة ريال فأعطاهم نفقة عشرة ريالات، فإنها تنقص كلما أعطاهم، لكن حينما قال: ﴿فِيهَا﴾ فإن المعنى: أن الرزق يكون فيها، فيكون المال أوسع من الرزق المعطى، وهذا يتضمن أن يتجر فيها ثم يعطيهم من الربح.
وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾ أي: أعطوهم طعامًا وشرابًا، أما الكسوة فقال: ﴿وَاكْسُوهُمْ﴾ أي: اكسوهم ما يحتاجون إليه من القمص والسراويلات وغيرها، والفرش والسكن يدخل في قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾.
وقوله: ﴿وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: حين إعطائكم إياهم وكسوتكم إياهم قولوا لهم قولًا معروفًا؛ أي: قولًا هينًا لينًا، ولا تشمخوا بآنافكم عليهم وتمنَّوا عليهم؛ لأن ذلك خلاف الولاية الحقيقية، فمثلًا: إذا جاء السفيه وقال: أعطني، أو
[ ١ / ٣٩ ]
اكسني، فلا تقل له قولًا غليظًا، كأن تقول: لماذا قطعت ثيابك؟ وما أشبه ذلك من الكلمات النابية؛ لأن المال مالهم، وإن كان مالكم، فإنه لا ينبغي لكم أن تمنوا بما أعطيتم.