٧ - أنه يجب على ولي السفيه أن يتصرف في ماله بما تحصل به الفائدة؛ لقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾.
٨ - أنه يجب أن يرزقوا ما يحتاجون إليه من طعام وشراب وغير ذلك؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب، لاسيما وأنه متعلق بحق الغير.
٩ - أنه يجب على من ولّاه الله على أحد أن لا يغلظ له القول، بل يقول له القول المعروف، حتى يجمع بين الإحسان القولي والفعلي.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦].
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ "ابتلوا" أي: اختبروا، و﴿الْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، وهو كل من مات أبوه قبل بلوغه؛ أي: قبل بلوغ الطفل ذكرًا كان أو أنثى، لكن المرأة لا تختبر بالبيع والشراء؛ لأنها ليست من أهله، لكن تختبر بحاجات البيت فإذا عرف ضبطها لحاجات البيت فهي رشيدة.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ ﴿حَتَّى﴾: هنا ابتدائية؛ أي: اختبروهم واستمروا في الإختبار، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، ﴿إِذَا﴾ شرطية، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ شرطية أيضًا، وقوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ جواب الشرط، فيكون هذا شرطًا في ضمن شرط آخر، وهو سائغ في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر:
[ ١ / ٤٢ ]
إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا منا معاقل عزٍّ زانها كرم
فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ شرط في ضمن شرط، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ أي: أبصرتم، ومنه قوله: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩] أي: أبصر.
وقوله: ﴿رُشْدًا﴾ الرشد في كل موضع بحسبه، ويجمع جميع معانيه كلمة واحدة، وهي حسن التصرف، فإن كان في المال فبأن يبيع الإنسان ويشتري مرارًا ولا يُغبن إلا بما جرت به العادة، وإن كان في التصرف للغير فأن يكون حسن الولاية، ومنه الرشد في ولاية النكاح، وهو أن يكون عالمًا بالكفء ومصالح النكاح.
إذًا: الرشد في كل موضع بحسبه، والمراد بقوله هنا: ﴿رُشْدًا﴾؛ أي: تصرفًا صحيحًا في أموالهم.
وقوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: أعطوهم إياها، وأوصلوها إليهم، ولا تقولوا: ائتوا خذوا أموالكم، بل ادفعوها إليهم، وسيأتي أن الولي له الأجرة أو الأكل بالمعروف حسب ما تقتضيه حالهم.
وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ أي: أموالهم ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ﴿إِسْرَافًا﴾ يجوز (^١) أن تكون مفعولًا مطلقًا؛ أي: أكل إسراف، والإسراف هو مجاوزة الحد، وهو أيضًا في كل موضع بحسبه، وقوله: ﴿وَبِدَارًا﴾ أي: مبادرة، فهي من بادر بمعنى استعجل الشيء، وقوله: ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أي: بدارًا لكبرهم، يعني: تبادروا كبرهم؛ لأنهم إذا كبروا زالت الولاية عليهم وصاروا
_________________
(١) كأن الشيخ ﵀ يشير إلى الوجه الثاني وهو: أن تكون مفعولًا لأجله.
[ ١ / ٤٣ ]
راشدين، فربما يأكل بعض الأولياء أموالهم على وجه الإسراف، أو على وجه الإقتصاد ولكن يبادر، ولهذا لا يقول قائل: إن الكلمتين مترادفتان، بل نقول: إن الإسراف مجاوزة الحد، فمثلًا: إذا كان يكفيه عشرة أخذ خمسة عشر، ﴿وَبِدَارًا﴾ أي: أن يأكل بلا إسراف، لكنه يبادر بالأكل قبل أن يكبروا.
وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: من كان من الأولياء غنيًا لا يحتاج إلى مال اليتيم ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: فليكف عن الأكل. ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ واللام في قوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ للأمر، وفي قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ للإباحة.
فإذا قال قائل: ما الذي أخرج اللام في قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ عن الأمر؟
فالجواب: لأنها أعقبت النهي، وهو قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾، والأمر بعد النهي إما للإباحة على قول بعض العلماء، أو لرفع الحظر، وهنا إذا رفع الحظر فهو مباح.
وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: فليأكل أكلًا بالمعروف؛ أي: بما جرى به العرف، فلا يأكل أكل الأغنياء، وإنما يأكل أكل مثله.
مثال ذلك: إذا كان فقيرًا فقال: أنا سآكل أكل الأغنياء؛ لأنني ولي عليه - ومن المعلوم أن أكل الفقير ليس كأكل الغني - قلنا: هذا لا يجوز، بل كل بالمعروف.
وقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: إذا بلغوا ورشدوا.
وقوله: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أشهدوا أنكم دفعتموها.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ "كفى" من الكفاية؛ أي: أنه جل
[ ١ / ٤٤ ]
وعلا يكفي عن كل أحد، والباء في قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ زائدة لتحسين اللفظ، وكل شيء في القرآن زائد إعرابًا فهو زائد معنى؛ أي: أنه جاء لفائدة ولا بد، وهي هنا لتحسين اللفظ، والأصل وكفى الله حسيبًا، والحسيب بمعنى الرقيب المحاسب، فهذه الآية ختمها الله بهذه الجملة تهديدًا لأولياء اليتامى من أن يتجرؤوا على أكل أموالهم إسرافًا وبدارًا أن يكبروا.