بشهود، إلا إذا وجدت قرائن قوية تؤيد هذه الدعوى، مثل أن يكون الولي معروفًا بالصدق والأمانة، ويكون المولى عليه - وهو اليتيم - معروفًا بالطمع والجشع، فحينئذ نقبل قول الولي بالقرينة، وبقوة الظاهر؛ ولأننا لو لم نقبل قوله لكان في هذا منع من التولي على أموال اليتامى؛ لأن الإنسان قد لا يتسنى له الإشهاد عند الدفع.
١٤ - تحذير الولي من أن يخون في ولايته، وتحذير اليتيم من أن ينكر ما وقع، وتؤخذ من قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، فإذا كان الله ﷿ هو الكافي على حساب عباده، فإن الإنسان سوف يخشى هذه المحاسبة ويتوب إلى الله.
١٥ - العناية باليتامى وأموالهم؛ لأن اليتامى محل الرحمة، حيث إن آباءهم قد ماتوا وليس لهم ولي يقوم بحاجتهم.
ويتفرع عن هذه الفائدة بيان رحمة الله ﷿، وأن رحمة الله عند المنكسرين وعند الضعفاء.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧].
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، قوله: ﴿لِلرِّجَالِ﴾ خبر مقدم، و﴿نَصِيبٌ﴾ مبتدأ مؤخر، وكذلك قوله: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ﴾ متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿نَصِيبٌ﴾، ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: وذلك مما قل منه، وقوله: ﴿نَصِيبًا﴾ حال من
[ ١ / ٤٨ ]
"ما" في قوله: ﴿مِمَّا قَلَّ﴾ وقوله: ﴿مَفْرُوضًا﴾ صفة لـ ﴿نَصِيبٌ﴾ وهو أولى، ويجوز أن تكون حالًا أخرى، وهو مرجوح.
يقول الله ﷿: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ "نصيب": أي: حظ، ولم يبينه هنا، لكن بينه في آيات تأتي، والإجمال ثم التفصيل من البلاغة التامة؛ لأن الشيء إذا أجمل بقيت النفوس تتطلع إلى تفصيله، فيأتي التفصيل والنفوس متطلعة إليه، بخلاف ما لو جاء الشيء مفصلًا مباشرة، فإنه قد يرد على نفس ليست متشوقة إليه، فلا يرسخ في الذهن، ولا يصير له قوة في القبول.
وقوله: ﴿الْوَالِدَانِ﴾ أي: الأم والأب، أما الأم فظاهر أنها والدة، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وأما الأب فكذلك، قال النبي - ﷺ -: "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم" (^١)، والولد لا بد له من والد، وكذلك جاء في الحديث: "لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهبه، إلا الوالد فيما وهبه لابنه" (^٢)، فالوالد إذًا يطلق على الأم والأب.
وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ولم يقل: والأقارب، والأقرب: اسم تفضيل؛ وذلك لأن الميراث لا يتناول جميع الأقارب، بل الأقرب فالأقرب، ويدل لذلك قول النبي - ﷺ -: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (^٣)، وهناك خمسة من الورثة لا
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء أن الوالد يأخذ مال ولده (١٣٥٨)؛ ورواه ابن ماجه، كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده (٢٢٩٠)؛ ورواه الإمام أحمد في مسنده (٦٦٤٠).
(٢) انظر: التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي، كتاب الهبة (٤/ ٣١) وهو حديث مرسل.
(٣) رواه البخاري، كتاب الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه، حديث =
[ ١ / ٤٩ ]
يمكن أن يحجبوا، وهم الذين يتصلون بالميت مباشرة، وهم: الأب، والأم، والإبن، والبنت، وأحد الزوجين، فهؤلاء لا يمكن أن يحجبوا؛ لأنهم يرثون من الميت مباشرة.
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ وإنما نص على نصيب النساء بهذه الصيغة المساوية لنصيب الرجال؛ تأكيدًا لحقهن، وإلا فمن المعلوم أن نصيب النساء دون نصيب الرجال، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]، لكنه جاء بهذه الصيغة تأكيدًا لنصيب النساء؛ لأنهم كانوا في الجاهلية في أحكامهم الجائرة لا يورثون النساء، ويقولون: إنما الميراث لمن حمل السلاح وخاض المعارك، وهم الرجال، وأما النساء فلا حق لهن في الميراث، ولا شك أن هذا حكم مبني على الجور، ولو نظرنا ببادئ الرأي لقلنا: إن النساء أحق بالميراث من الرجال؛ لأنهن أعجز وأضعف عن التكسب من الرجال، لكن حكم الله سبحانه أحسن الأحكام، فقد جعل لهن نصيبًا وللرجال نصيبًا، ولكن لكثرة المسؤولية على الرجال جعل للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ أي: لكل منهما نصيب من القليل أو الكثير، سواء خلَّف الميت أموالًا كثيرة، أو أموالًا قليلة، فلو خلف درهمًا واحدًا كان للرجال نصيب وللنساء نصيب، ولو خلف ملايين الملايين كان للرجال نصيب وللنساء
_________________
(١) = رقم (٦٣٥١)؛ ومسلم، كتاب الفرائض، باب ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، حديث رقم (١٦١٥) عن ابن عباس ﵄.
[ ١ / ٥٠ ]
نصيب، فلا يقال: إنه إذا قل المال فلا نصيب للنساء، أو إذا كثر المال فلا نصيب للنساء، بل نقول: لا فرق بين القليل والكثير.
وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ هذه الجملة ينبغي الوقوف عليها؛ لأن ما بعدها وهو قوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ لا يتعلق بالفاعل في قوله: ﴿قَلَّ﴾ و﴿كَثُرَ﴾، بل هو متعلق بمقدر، والمعنى: جُعل هذا نصيبًا مفروضًا، أو حال كونه نصيبًا مفروضًا.
وقوله: ﴿مَفْرُوضًا﴾ المراد أنه مُحتّم، وليس المراد أنه مُقدّر؛ لأن ميراث الأولاد - إذا اجتمعوا بنينَ وبناتٍ - ليس مقدرًا؛ أي: ليس بفريضة، بل هو تعصيب، ولكن المراد بالفرض هنا الحتم، كما تقول: فُرضت الصلوات الخمس؛ أي: حُتمت وأُلزم بها.