فهو كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، والذي خلقه هو الله ﷿.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [النساء: ٨].
الذي يظهر لي - والعلم عند الله - من هذه الآية والتي قبلها: أن الناس فيما سبق كانوا إذا أرادوا قسم مال الميت، فإنهم يقسمونه علنًا ظاهرًا، سواء كان ظاهرًا للناس عمومًا، أو ظاهرًا لمن حولهم، لقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ ﴿الْقِسْمَةَ﴾: مفعول مقدم، و﴿أُولُو﴾: فاعل مؤخر، ورفع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون منه للإضافة، ﴿وَالْيَتَامَى﴾ معطوف على أولو، وكذلك ﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾، وقوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ الجملة جواب الشرط وهو "إذا"، واقترنت الفاء بها لأنها طلبية، والجواب الذي يقترن بالفاء سبعة أنواع، جمعت في بيت من الشعر:
اسمية طلبية وبجامد وبما وقد ولن وبالتنفيس
قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي: قسمة المال الموروث ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ أي: أصحاب القرابة الذين لا يرثون؛ لأن الذين يرثون لهم نصيب من هذا المقسوم، والقربى هنا بمعنى القرابة.
وقوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل بلوغه، سواء كان ذكرًا أو أنثى.
وقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾ هم الفقراء، وسموا مساكين لأن الفقر
[ ١ / ٥٣ ]
أسكنهم، فإن الفقر - أعاذنا الله منه - يوجب الذل، وأن لا يتكلم الإنسان؛ لأنه يشعر بأنه غير مسموع، وغير مقبول، فتجده ساكنًا لا يتكلم؛ لأنه لا يُسمع له، ولكن قد يكون هذا الفقير المسكين عند الله مسموعًا، قال ﵊: "رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره" (^١)، والشأن كل الشأن أن تكون وجيهًا عند الله، وإذا كنت وجيهًا عند الله فستكون وجيهًا عند العباد، ولكن لا تطلب أن تكون وجيهًا عند الله؛ لتكون وجيهًا عند العباد، بل اطلب أن تكون وجيهًا عند الله؛ لتنال رضاه، وإذا رضي الله عنك أرضى عنك الناس.
وقوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ أي: أعطوهم، لأن الرزق بمعنى العطاء.
وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ ولم يقل: فيه؛ لأن هؤلاء يعطون من رأس المال، ومن أصله، وأما أموال اليتامى فقال الله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء: ٥]، وقد سبق أن ذكرنا أنه قال: "فيها" ولم يقل: "منها"؛ لأنهم يرزقون بعد الإتجار بها، فيعطون من الربح، وهو - أي: ما سبق - إشارة إلى أنه ينبغي لولي اليتيم أن يتجر في ماله حتى يحصل على ما يرزقه فيه، أما هنا فقال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أي: من هذا المال الذي يقسم أمامهم، وهذا إحسان إليهم بالفعل.
وقوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ هذا إحسان إليهم بالقول؛ أي: قولًا طيبًا تطيب به نفوسهم.
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الضعفاء والخاملين، حديث رقم (٢٦٢٢) عن أبي هريرة ﵄.
[ ١ / ٥٤ ]
ولنفرض أن المال كثير، وأن كل وارث سيحصل على مليون ريال مثلًا، فإذا أعطيت الفقير مائة ريال، فإن الحاضر ربما يقول: مائة من مليون! فقل له قولًا معروفًا تطيب به نفسه، حتى تجمع له بين الإحسان القولي والإحسان الفعلي.
وبالعكس - والعياذ بالله - من كان قلبه كالحجر، فإذا وجد اليتيم حوله قال له: ما الذي أتى بك؟ اذهب واطلب الرزق من الله! ! فهذا قلبه ليس لينًا لعباد الله، ولا راحمًا لهم، والإنسان يجب أن يقدر أنه لو كان هو بهذه الحال ماذا سيفعل؟ إنه سوف يتشوف إلى شيء من هذا المال، وسوف يرى أن من أشد الأشياء عليه أن يُصرف، ولا سيما إذا صُرف بقول منكر غير معروف.