١ - أن الله أرحم بالإنسان من والديه، لقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، فالذي يوصيك بالشيء هو أرحم به منك، وأشد عناية به منك، ولهذا إذا وصى الإنسان أحدًا على أولاده فهو أرحم بأولاده من هذا الوصي.
٢ - الحكمة في توزيع الميراث، فإنه يشمل جميع الأولاد، ولا يقتصر على الصغار فقط، أو على ذوي الحاجة، أو على من كان لا يكتب، وما أشبه ذلك، وهذا من الحكمة، من أجل أن لا يحصل ما يسمى في العرف الإصطلاحي "بتبديد الثروة" أي: توزيع الثروة، حتى لا تنحسر، فإن هذا المال الذي هو ملايين كان يملكه واحد، والآن يملكه عدد كثير، ثم هذا العدد إذا ماتوا سينتقل إلى عدد آخرين، وهذا لا شك أنه من الحكمة.
٣ - وهناك حكمة أخرى في توزيع الميراث، حيث جعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وفي ذلك حكم:
منها: اعتبار ما يكون على الذكر من مسؤوليات مالية أكثر
[ ١ / ٨٣ ]
من الأنثى، فإن عليه الإنفاق، وعليه المهر، وعليه الجهاد، وعليه حقوق مالية أكثر، فَرُوعِي ذلك في قسمة المواريث، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين.
ومنها: بيان شرف الرجل على المرأة، وأنه أحق بالتكريم منها، خلافًا للمتفرنجين الآن الذين يقدمون الإناث على الذكور، وخلافًا لأهل الجاهلية الذين لا يورثون الإناث شيئًا، يقولون: لا نورث إلا من يحمي الذمار، ويركب الخيل، ويذود عن الحمى، أما امرأة قابعة في البيت فليس لها ميراث، لكن الإسلام أعطاها الميراث، إلا أنها ليست مثل الذكر.
٤ - أنه ينبغي للإنسان أن يختار من الألفاظ الأحسن والأمثل، وإن كان المؤدى واحدًا، فإن الله قال: ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولم يقل: يوصيكم الله في أولادكم للأنثى نصف ما للذكر، فحسن التعبير له أثر.
ومعلومة قصة الملك الذي رأى في المنام أن أسنانه قد سقطت، فدعى بعابر يعبر الرؤيا، فقال: أيها العابر عبر لي هذه الرؤيا، فقال: أيها الملك! تموت حاشيتك وأهلك، فارتاع الملك، فأمر به فضرب وجلد؛ لأنه روع الملك، ثم قال: ائتوا بعابر آخر، فأتوا بعابر آخر فسأله، فقال: يكون الملك أطول حاشيته عمرًا، ففرح الملك، وأمر له بجائزة، مع أن المعنى واحد؛ لأنهم إذا ماتوا قبله يكون هو الآخر، لكن هذا فيه أن حسن التعبير له أثر، فينبغي للإنسان إذا أراد أن يعبر أن يختار أجزل العبارات وأسهلها وأحبها إلى النفوس.
[ ١ / ٨٤ ]
٥ - أن ميراث النساء الخلص البنات: للثنتين فأكثر الثلثان، وللواحدة النصف.
٦ - أن الإرث شامل لجميع التركة من عقار، ومنقول، وحيوان، ومنافع، وحقوق، ويؤخذ هذا من قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، فكل ما ترك فهو داخل في الإرث، ولهذا يجب التنبه لمن كان له ورثة في غير البيت الذي هو فيه، فإن من الناس من إذا مات ميتهم وورثه آخرون خارج البيت، يتمتع بما في البيت من طعام وغيره، ويسكن أيضًا، وهذا لا يجوز إلا بعد إذن بقية الورثة، وإلا فإنه يُخصم من ميراثه، وكذلك تُضرب أجرة على هؤلاء الذين في البيت من حين موت الرجل.
٧ - أنه لا يزيد فرض الثلثين بزيادة الإناث، ويؤخذ من قوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾.
٨ - الحكمة في تقديم ميراث الأولاد على ميراث الأبوين؛ لأن الأولاد بضع من أبيهم أو أمهم، فلذلك قدم ذكرهم على الأبوين.
٩ - أن الوالدين إذا ورثا ولدهما واختصا بالإرث، كان للأم الثلث والباقي للأب، لقوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، وعلى هذا فيكون الأب في هذه الحال وارثًا بالتعصيب؛ لأن نصيبه لم يقدر.
١٠ - أنه إذا وجد للميت فرع وارث فإن للأبوين السدس، لا يزيد إلا مع الإناث، فإن بقي شيء أخذه الأب تعصيبًا.
١١ - أن للأم السدس مع جمع من الإخوة، لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، وظاهر الآية: سواء كانوا وارثين أم
[ ١ / ٨٥ ]
غير وارثين، بل إن ظاهرها أنهم إذا كانوا غير وارثين فليس للأم إلا السدس؛ لأن الفاء مفرَّعة لما بعدها على ما قبلها.
فإن قال قائل: كيف تجعلون للأم السدس مع وجود إخوة محجوبين بالأب؟ ألستم تقولون: لو وجدت أم وإخوة أرقاء؛ فإن الإخوة لا يحجبون الأم إلى السدس، أو وجدت أم وإخوة كفرة؛ فإنهم لا يحجبون الأم إلى السدس، يعني: لو هلك هالك عن أمه وإخوته الذين لا يصلُّون، فإن لأمه الثلث، ولا يحجبها الإخوة الذين لا يصلُّون إلى السدس؛ لأنهم كفار لا يرثون؟
فالجواب: أن هؤلاء محجوبون بوصف، فهم ليسوا من أهل الإرث أصلًا، وأما الإخوة الذين حجبوا بالأب فهم من أهل الإرث، لكن وجد مانع، وفرق بين وجود المانع وبين فوات الشرط، فالإخوة مع اختلاف الدين أو كونهم أرقاء، ليسوا أهلًا للميراث أصلًا؛ لأن من شرط استحقاقهم الإرث أن يكونوا موافقين للإنسان الميت في دينه، وأن يكونوا أحرارًا، لكن هؤلاء الإخوة مع الأب هم مستحقون للإرث، فهم أحرار، موافقون في الدين، لكن وجد مانع وهو الأب، فهذا هو الفرق بين كون المحجوب بالوصف وجوده كعدمه، والمحجوب بالشخص وجوده معتبر.
١٢ - أن الميراث يأتي في المرتبة الثالثة مما تركه الميت، لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ولكن قد دلت السنة على أن تجهيز الميت مقدم على كل ذلك، وعلى هذا يكون الميراث في المرتبة الرابعة، ودليل السنّة: أن رجلًا وقصته راحلته وهو واقف بعرفة، فسئل النبي - ﷺ - عنه فقال: "اغسلوه بماء
[ ١ / ٨٦ ]
وسدر، وكفنوه في ثوبيه" (^١)، ولم يذكر هل عليه دين، أو وصية، فدل هذا على أن مؤن التجهيز مقدمة على الوصية والدين؛ ولأن التجهيز يتعلق ببدن الميت، فكان مقدمًا على الوصية والدين؛ كالمحجور عليه عند الإفلاس، فالمحجور عليه عند الإفلاس إذا أفلس وحجرنا عليه، ومنعناه من التصرف في ماله، فإننا نبدأ بما تتعلق به حاجته، فإنه يبقى له.
١٣ - وجوب تنفيذ الوصية؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فقدمها على ما يستحق من المال؛ لأن تنفيذها واجب.
١٤ - أن الرق مانع من الإرث، ويؤخذ من قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ .. إلى قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾، ووجه ذلك أن اللام تفيد الملك، والرقيق لا يملك، وعلى هذا فلا حق للرقيق في الميراث؛ لأنه لا يملك.
١٥ - الإشارة إلى اجتهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - الإجتهاد الصائب في العمريتين، حيث جعل للأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجين، وذلك أن الزوج أو الزوجة إذا أخذ حقه انفرد الأب والأم فيما بقي، وقد جعل الله للأب والأم إذا انفردا؛ للأم الثلث، والباقي للأب، فيكون ما بقي بعد فرض الزوجين للأم ثلثه، وللأب الباقي.
١٦ - أن الواحد من الإخوة لا يحجب الأم إلى السدس، لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، بخلاف الأبناء أو البنات، فإن
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين، حديث رقم (١٢٠٦)؛ ومسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، حديث رقم (١٢٠٦) عن ابن عباس.
[ ١ / ٨٧ ]
الواحد يحجبها إلى السدس، لقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، و﴿وَلَدٌ﴾ نكرة في سياق الشرط، فيعم الواحد والمتعدد والذكر والأنثى.
١٧ - أن الميراث لا يكون إلا بعد الدين والوصية، لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ولكن الدّين قد يستغرق جميع التركة، فلا يبقى للورثة شيء، وأما الوصية فلا تستغرق جميع التركة؛ لأن أقصى ما يمكن الثلث، وما زاد على الثلث فهو إلى الورثة، وعلى هذا فيفرق بين الدّين والوصية، وهو: أن الدّين قد يستغرق المال فلا يبقى للورثة شيء، والوصية لا يمكن أن تستغرق المال؛ لأن ما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة.
وعلى هذا فلو مات شخص وخلف مائة ألف، وعليه دين يبلغ مائة ألف، فليس للورثة شيء، ولو مات ميت وقد أوصى بمائة ألف، ولما مات وجدنا ميراثه مائة ألف، فنرد المائة ألف إلى الثلث ما لم تُجِز الورثة.
١٨ - أن المفضول قد يقدم على الفاضل لاعتبارات أخرى، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، فالدّين أوجب من الوصية وأقدم، لكن قدمت الوصية لاعتبارات أخرى؛ كتقديم هارون على موسى في بعض المواضع، فقد قدم هارون في سورة طه، قال تعالى: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠]؛ لاعتبارات، وهي: مراعاة الفواصل، وإلا فلا شك أن موسى أفضل من هارون، ومقدم عليه في جميع مواضع القرآن.
١٩ - قصور علم الإنسان، فأقرب الناس إلى الإنسان آباؤه
[ ١ / ٨٨ ]
وأبناؤه، فإذا كان لا يدري أيهم أقرب نفعًا، فما بالك بالبعيد! وهذا لا شك يعود إلى قصور علم الإنسان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، فالروح التي هي بين جنبيك لا تعرفها؛ لأنك لم تؤت من العلم إلا القليل.
٢٠ - وجوب إعطاء الورثة نصيبهم من الإرث؛ وأنه فرض، ويؤخذ من قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، وعلى هذا فتعلم الحساب الفرضي - إن كان يتوقف عليه إعطاء كل ذي نصيب نصيبه - تعلمه فرض، وإن كان لا يتوقف عليه فليس بفرض، وتعلم الحساب في الفرائض وسيلة، فإذا كان وسيلة فننظر: إن احتجنا إليه أخذنا به، وإن لم نحتج فلا، ولكن في الغالب أننا نحتاج إليه، فلو جاء إنسان وقال مثلًا: اقسم بين زوج، وأم، وأخ من أم. فنقول: للزوج النصف، وللأم الثلث، وللأخ لأم السدس، ولا يلزم أن نقول مثلًا: المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم الثلث اثنان، وللأخ من الأم السدس واحد. فإن هذا ليس بلازم، لكن أحيانًا يتوقف القسم وإعطاء كل ذي نصيب نصيبه على معرفة الحساب، فإذا توقف على معرفة الحساب صار معرفة الحساب فريضة كالأصل.
٢١ - أن أمر الفرائض إلى الله، لقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، ونقول: ذلك وإن كان أمرًا معلومًا، لكن من أجل الأدب في الفتيا، فقد كان الإمام أحمد ﵀ مع علمه الغزير لا يطلق على الشيء أنه فريضة، أو أنه حرام، إلا إذا ورد به النص، وإلا فإنه يقول: "لا يفعل"، "أكره هذا"، "لا يعجبني"، وما أشبه
[ ١ / ٨٩ ]
ذلك، وهذا من باب الورع، أما نحن فتجد الواحد منا يقول: هذا يحرمه الشرع، أو هذا حرام في الشرع، سبحان الله! وربما أن هذا الرجل لو بُحث معه في أدنى مسألة لما عرفها، ويقول: هذا حرام في الشرع، وهو من المسائل الإجتهادية، وقد يكون الصواب أنه ليس بحرام، ثم يضاف إلى الشرع كله من شخص ليس أهلًا للإجتهاد.
لكن لو سأل سائل: ما تقول في الميتة؟ فقل: حرام؛ لأن هذا ورد في القرآن.
إذًا: يجب على الإنسان أن يتحرز، وكثيرًا ما يلجئنا بعض الناس إلى ذلك، كأن تكون المسألة عندنا ليست واضحة في التحريم، ثم نقول: لا تفعل، فيقول: أهو حرام؟ ويصر على ذلك، ولكننا نصر على أن نقول: لا تفعل، ويكفينا هذا حجة عند الله ﷿؛ لأن بعض الناس قد يلجئك، ومعنى كلامه: أنه إن كان حرامًا فما أنا بفاعله، وإن كان غير حرام فسأفعله، وإن كان فيه شبهة هذا هو معنى كلامه، وهذا إلجاء واضطرار، فلا يلزمني أن أقول: هو حرام، إذا لم يتبين لي الأمر فيه.
بل إن بعض الناس عنده جدل، فأقول له: نهى عنه الرسول - ﷺ -، فيقول: لكن هل النهي للتحريم؟ سبحان الله! إذا نهى عنه الرسول فاتركه، وانتهِ عنه، فإن كان للتحريم فقد سلمت من إثمه، وإن كان للكراهة فقد رجعت بفضله؛ لأن ترك المكروه يعتبر من الزهد، إذ أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر في الآخرة، فيكون الزهد أعلى؛ لأن بين ما ينفع
[ ١ / ٩٠ ]
وما يضر مرتبة، وهي ما لا نفع فيه ولا ضرر، فالزاهد يتركه، يترك من أمر الدنيا ما ليس فيه نفع ولا ضرر، والورع أن لا يترك إلا الحرام، إذًا: طبقة التاركين للمكروه أعلى من طبقة التاركين للحرام؛ لأن ترك الحرام من باب الورع، وترك المكروه من باب الزهد.
٢٢ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم والحكيم، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
٢٣ - من الفوائد اللغوية: أن: ﴿كَانَ﴾ قد تسلب دلالتها على الزمان؛ لأنها لو دلت على الزمان في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، لكان الرب ﷿ الآن ليس عليمًا ولا حكيمًا، لكنها أحيانًا تسلب دلالتها على الزمان، ويكون مدلولها مجرد الحدث، أو مجرد الوصف إذا كان صفة، ولهذا قال بعض السلف ولعله ابن عباس ﵄: "إن الله كان غفورًا رحيمًا ولم يزل غفورًا رحيمًا"، خوفًا من هذا الوهم، وهو أن ﴿كَانَ﴾ للماضي فقط، ولهذا لو سئلت عن رجل: هل كان غنيًا؟ فتقول: كان غنيًا، والمعنى: وأما الآن ففقير، وإذا سئلت عن طالب: هل هو مجتهد؟ فتقول: كان مجتهدًا، والآن ليس مجتهدًا.
إذًا: ﴿كَانَ﴾ في الأصل تدل على زمن مضى، لكنها أحيانًا تسلب دلالتها على الزمان، فتكون لمجرد الوصف بخبرها.
٢٤ - أنها تستلزم التسليم التام لقضاء الله الكوني والشرعي، ووجهه: إذا آمنت بأن الله عليم حكيم فسأطمئن، وأعلم أنه ما قضى قضاءً شرعيًا إلا والحكمة تقتضيه، ولا قضى قضاءً كونيًا إلا والحكمة تقتضيه، فيسلم الإنسان لربه ﷿ تسليمًا تامًا،
[ ١ / ٩١ ]
وينشرح صدره بقضائه وقدره وشرعه وحكمه، ولا يبقى عنده أي تردد، ولهذا انظر إلى الصحابة ﵃ كيف كان قبولهم للشرع.
فحينما قال النبي - ﷺ - للنساء: "يا معشر النساء! تصدقن؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار" (^١)، بدأت الواحدة تأخذ خرصها أو خاتمها أو سوارها وتقول: يا بلال! أعطنا ثوبك، فجعلن يلقين ذلك في ثوب بلال، حليها الذي تتجمل به لزوجها تخلعه؛ لأن النبي - ﷺ - أمرهن أن يتصدقن، وهذا امتثال غريب! !
والرجل الذي نزع النبي - ﷺ - خاتمه من إصبعه - والذهب حرام على الرجال - وطرحه ورمى به، فقيل للرجل: خذه، فقال: لا آخذ خاتمًا طرحه النبي - ﷺ - (^٢) .. إنه امتثال عجيب!
ولما قال النبي - ﷺ - للصحابة بعد رجوعهم من الأحزاب: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة" (^٣)، فلم يتأخروا أبدًا، بل شدوا رحالهم وذهبوا، ولم يتعللوا بأي شيء، وبعضهم أخذ بظاهر اللفظ فقال: لن أصلي العصر إلا في بني قريظة ولو في نصف الليل، وساروا حتى وصلوا إلى بني قريظة وصلوا، والآخرون قالوا: إنما قصد النبي - ﷺ - أن نبادر، ولم يقصد أن نؤخر الصلاة، وقالوا: عندنا نصان: أحدهما متشابه، والثاني
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، حديث رقم (٢٩٨)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، حديث رقم (٨٠).
(٢) رواه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم خاتم الذهب على الرجال (٢٠٩٠).
(٣) رواه البخاري في أبواب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً، حديث رقم (٩٠٤)؛ ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين، حديث رقم (١٧٧٠).
[ ١ / ٩٢ ]