١ - أن الإرث ملك قهري، لا اختيار للإنسان فيه، لقوله: ﴿وَلَكُمْ﴾، فقد ملكنا الله إياه وأثبته حكمًا شرعيًا، فلو قال الزوج: أنا لا أريد نصيبي من زوجتي، قلنا له: لا، بل هو داخل في ملكك قهرًا لا خيار لك فيه، فإن قال: أريد أن أتفضل به لها في مشروع خيري، أو إن كان لها أولاد أتفضل به على أولادها، قلنا له: هذه ابتداءُ عطية.
[ ١ / ١٠٠ ]
وبناءً على ذلك فلو كان عليه دين يحتاج أن يبذل فيه هذا المال الذي ورثه، فإن تبرعه بهذا المال غير نافذ، وهذه الفائدة من قولنا أنه ملك قهري.
ويتفرع على هذا أيضًا لو كان الموروث شقصًا من أرض مشتركة، فليس للشريك أن يشفع، وصورتها: أن يكون للمرأة نصف أرض، ونصف الأرض الثاني لرجل آخر أجنبي، فماتت، فورث ورثتها نصيبها من هذه الأرض، وهو النصف، فليس للشريك أن يشفع؛ لأنه ملك قهري، لكن لو أنها باعت نصيبها في حياتها، فللشريك أن يشفع.
٢ - أنه يشترط في الميراث أن يكون الوارث حرًا، ويؤخذ هذا من اللام التي للتمليك، والعبد لا يملك، فلو كان زوج الحرة عبدًا، فإنها إذا ماتت لا يرث منها شيئًا، لقول النبي - ﷺ -: "من باع عبدًا وله مال فماله للذي باعه" (^١).
٣ - أن الميراث يشمل الأعيان، والديون، والحقوق، فالأعيان؛ كالدراهم والنقود والعقارات، والديون التي في ذمم الناس، والحقوق؛ كحق الشفعة، وحق الإنتفاع بالكلب المباح نفعه، وحق الإنتفاع بالسرجين النجس، وحق الإنتفاع بالدهن النجس - إذا قلنا بجواز الإنتفاع به - وما أشبه ذلك.
٤ - ثبوت الإرث بالزوجية؛ لقوله: ﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾، ولا تثبت الزوجية إلا بعقد صحيح.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المساقاة والشرب، باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل، حديث رقم (٢٢٥٠)؛ ومسلم، كتاب البيوع، باب من باع نخلًا عليها ثمر، حديث رقم (١٥٤٣).
[ ١ / ١٠١ ]
٥ - ثبوت الإرث ولو ماتت الزوجة قبل الدخول؛ لأنها تكون زوجة بمجرد العقد، سواء حصل الدخول أم لم يحصل.
٦ - أن الزوجة إذا بانت فلا توارث بين الزوجين، ويؤخذ من قوله: ﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾؛ لأنها إذا بانت لم تكن زوجة، فلو طلقها وانتهت عدتها ثم ماتت، فلا ميراث له منها؛ لأنها صارت أجنبية منه لا تحل له إلا بعقد جديد، ولو طلقها طلاقًا بائنًا وماتت في العدة، فلا ميراث له منها؛ لأنها لما بانت منه لم تكن زوجته، بدليل أنها لا تحل له إلا بعد زوج إن كانت البينونة كبرى.
واستثنى العلماء من ذلك مسألة: وهي ما إذا أبانها في مرض موته المخوف متّهمًا بقصد حرمانها، فهنا أربعة شروط:
١ - إذا بانت، ٢ - في مرض موته، ٣ - المخوف، ٤ - متهمًا بقصد حرمانها. فإذا كان الأمر كذلك فإنها ترثه ولو انتهت العدة، ما لم تتزوج، أو تأت بمنافِ للزوجية؛ كالردة، فإن طلقها في الصحة طلاقًا بائنًا، ثم مات قبل انقضاء العدة، فإنها لا ترث؛ لأنه طلقها في الصحة كما سبق، وإن طلقها في مرض مخوف، ثم عوفي منه، ثم حصل له حادث فمات، فلا ترث؛ لأنه لم يمت بذلك المرض، وإن طلقها في مرض لكنه ليس بمخوف، وبعد ذلك ازداد به المرض حتى مات، فإنها لا ترث، وإن طلقها في مرض موته المخوف بطلبها، فإنها لا ترث؛ لأنه ليس متهمًا بقصد حرمانها.
إذًا: ينقطع التوارث بين الزوجين بالبينونة، إلا فيما إذا طلقها في مرض موته المخوف متهمًا.
٧ - أن للزوج النصف، بشرط عدمي وهو عدم الولد، لقوله: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾.
[ ١ / ١٠٢ ]
٨ - أنه لا فرق بين أن يكون الولد واحدًا أو متعددًا، ذكرًا أم أنثى، ووجه الدلالة في هذه الآية: أن كلمة: ﴿وَلَدٌ﴾ نكرة في سياق النفي، فتكون للعموم.
وولد الولد كالولد، فلو كان لها ابن ابن فليس للزوج النصف؛ لأن أولاد الأبناء كأولاد الصلب.
٩ - عناية الله سبحانه بالمواريث، حيث جاءت الآيات على هذا التفصيل، لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾.
١٠ - أن المواريث مبنية على الحكمة، ووجهه: أنه إذا لم يكن للزوجة ولد فللزوج النصف، ومع الولد الربع؛ ليتوفر المال للولد.
١١ - أنه لا ميراث إلا بعد الدين والوصية، لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وينبني على هذه الفائدة أمثلة: لو مات الميت وخلف ألفًا، وعليه ألف دينًا، فليس للورثة شيء؛ لأن الدين مقدم على الميراث، لكن كيف تكون الوصية مقدمة على الميراث، مع أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث؟ يتضح هذا بالمثال: فلو هلك هالك عن زوج وأخت شقيقة، فإن للزوج النصف؛ لعدم الفرع الوارث، وللشقيقة النصف؛ لتمام شروط إرثها النصف، وإذا قدرنا أن المال ستون ألفًا، كان للزوج ثلاثون ألفًا، وللأخت ثلاثون ألفًا، فإذا كانت المرأة المتوفاة قد أوصت بالثلث اختلف الحال، فللوصية الثلث عشرون ألفًا، وللزوج نصف الباقي عشرون ألفًا، وللأخت الشقيقة كذلك النصف عشرون ألفًا، فالوصية أعطيناها الحق كاملًا، وتجد أن
[ ١ / ١٠٣ ]
الميراث بدلًا من أنه كان للزوج النصف لم يكن له الآن إلا الثلث، وكذلك الأخت الشقيقة.
فتبين بذلك أن الوصية مقدمة على الميراث، ولو قدرنا أن الوصية كالميراث لاختلف الحكم، ولقلنا: عندنا ثلث زائدًا على الكُلّ، فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأخت الشقيقة النصف ثلاثة، وللثلث اثنان، فتعول المسألة إلى ثمانية، فيكون نصيب الثلث الآن ربعًا، مع أنا أعطيناه حسب القسمة الأولى ثلثًا كاملًا، كما أن نصيب الزوج ربع وثمن، ونصيب الأخت ربع وثمن.
فالحاصل: أن الوصية مقدمة على الميراث؛ لأن الموصى له يعطى سهمه كاملًا، ثم يقسم الباقي على الورثة على حسب الميراث.
١٢ - أن الزوجة حرة في التصرف بمالها، لقوله: ﴿يُوصِينَ بِهَا﴾، فأضاف الفعل إليها، ولو كانت لا تتصرف إلا بإذن الزوج، فلربما منعها الزوج من الوصية؛ لأن ذلك يضره.
١٣ - الحكمة في توزيع الميراث، حيث جعل للأنثى التي من جنس الذكر نصف ما للذكر، وذلك في ذكر ميراث الزوجات.
١٤ - بيان العدل في الدين الإسلامي، حيث لم يهضم المرأة حقها من الميراث، خلافًا لما كانوا في الجاهلية يفعلونه، حيث يحرمونها من الميراث، ويظهر العدل أيضًا بكونه عبَّر عن ميراث الزوجة بمثل ما عبر به عن ميراث الزوج.
١٥ - أنه إذا كان الحديث عن النساء والرجال، فإن الحكمة أن يقدم الحديث عن الرجال؛ لأنه سبحانه بدأ بميراث الأزواج
[ ١ / ١٠٤ ]
قبل ميراث الزوجات، وهذا هو الموافق للفطرة، خلافًا لمن حرف الله فطرته، وغير سليقته، فصار يقدم النساء على الرجال في الذكر، ففي الإذاعات الغربية ومن قلدوها يقولون: أيها السيدات والسادة، وأخس من ذلك من يكتب على الحمام: حمام للسيدات، وإلى جنبه: حمام للرجال، ولا يقول: للسادة، فبدلًا من أن الأنثى كانت تطالب بحقها أصبحنا نحن نطالب بحقنا! حيث يجعل النساء سيدات، والرجال بوصف الرجولة فقط لا بوصف السيادة! وكل هذا مما يدل على ضعف الشخصية، كما قاله الحكيم المؤرخ ابن خلدون في مقدمته التي كلها فلسفة كما يقولون، حتى إن بعض العلماء أنكر أن تكون له؛ لأنها فوق مستواه، وهي عظيمة جدًا.
يقول: من عادة الأمم أن الأمة الضعيفة تقلّد الأمة القوية ولو بالباطل. ونحن الآن استضعفنا أنفسنا، وصرنا نقلد من قلب الله فطرتهم وسلبهم الدين في مثل هذه الأمور. نسأل الله أن يحمينا جميعًا.
١٦ - أن ميراث الإخوة من الأم الثلث إن كانوا اثنين فأكثر، أو السدس إن كان واحدًا.
١٧ - أنه يشترط لإرث الإخوة من الأم أن يكون الإرث كلالة؛ أي: ليس هناك فروع ولا أصول ذكور؛ لا والد، ولا ولد، أما الأصول الإناث؛ فإن الإخوة من الأم يرثون معهن.
١٨ - التسوية بين الذكور والإناث في إرث الإخوة من الأم، ويؤخذ من قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وأصل الشركة يقتضي التسوية، كما أن البينية بالتسوية، فإذا قلت
[ ١ / ١٠٥ ]
لرجلين: هذه مائة درهم بينكما، فلكل واحد خمسون، وكذلك لما قال الله ﷿ في إرث الإخوة من الأم: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، فلما لم يذكر تفضيل الذكر على الأنثى، دل ذلك على أنهم سواء.
وهل يشاركهم غيرهم في التسوية بين الذكر والأنثى؟
لا يشاركهم غيرهم إلا لعارض، مثل: أن يهلك هالك عن بنتين وأبوين أم وأب، فهنا يستوي الأب والأم؛ لأن البنتين تأخذان الثلثين، وللأم السدس، وللأب السدس، لكن هذه التسوية لأمر عارض؛ لأنه لم يبق شيء بعد الفروض حتى يأخذه الأب.
ويرى بعض العلماء أن ذوي الأرحام لا يفرق بين ذكرهم وأنثاهم، فإذا مات ميت عن ابن أخت شقيقة، وبنت أخت شقيقة، فلهما ميراث أمهما بالسوية.
والصحيح في هذه المسألة: أنهم - أي: ذوي الأرحام - إن أدلوا بمن يُفضَّل ذكرهم على أنثاهم؛ فُضّل ذكرهم على أنثاهم، وإن أدلوا بمن لا يفضل ذكرهم على أنثاهم؛ لم يفضل ذكرهم على أنثاهم.
مثال ذلك: ابن أخت شقيقة وبنت أخت شقيقة، والقاعدة أن الإخوة الأشقاء يفضل الذكر على الأنثى، فنقول في هذا المثال: للذكر مثل حظ الأنثيين، وفي ابن أخ من أم، وبنت أخ من أم نقول: الميراث بينهما بالسوية؛ لأنهم أدلوا بمن لا يفضل ذكرهم على أنثاهم.
١٩ - عناية الله ﷿ بالوصية والدين، حيث إنه كلما ذكر ميراثًا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ففي باب
[ ١ / ١٠٦ ]
الفروع والأصول في الآية السابقة قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وفي ميراث الزوجين قال بعد إرث كل زوج ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ .. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وفي الإخوة من الأم هنا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
٢٠ - أن الوصية المضار بها لاغية، لقوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، ووصية المضارة حرام، وفيها إثم كبير، حتى إنه روي عن النبي - ﷺ -: "إن الرجل أو المرأة ليعملان في الصالحات أربعين سنة، ثم يجوران في الوصية فيعذبان" (^١)، وهذا دليل على أن الجور في الوصية من كبائر الذنوب.
٢١ - وجوب العمل بما فرضه الله تعالى في الميراث، لقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾، فالله ﷿ لا يوصي إلا بما هو حق، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].
٢٢ - أن هذه الوصية مبنية على أمرين: العلم والحلم، لقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
٢٣ - إثبات هذين الإسمين لله ﷿، وهما: العليم والحليم، وهما يدلان على العلم والحلم، والقاعدة: "أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم، ولهذا كانت الصفات أوسع من الأسماء".
* * *
_________________
(١) أخرجه أبو داود في، كتاب الوصايا، باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية، برقم (٢٨٦٧).
[ ١ / ١٠٧ ]