١ - أن المواريث من حدود الله.
٢ - أن من نفَّذ هذه المواريث على ما فرض الله فله هذا الثواب.
٣ - أن قسمة المواريث من العبادات، وتؤخذ من ترتيب الثواب عليها، ووصف ذلك بأنه طاعة.
٤ - عناية الشرع بإيصال الحقوق إلى أهلها؛ لأن حقيقة المواريث أن توصل الحقوق إلى أهلها، والله ﷿ حكم عدل، يريد من عباده أن يوصلوا الحقوق إلى أهلها.
٥ - أنَّ طاعة رسول الله - ﷺ - طاعة لله، ولهذا عطفها بالواو الدالة على الجمع والإشتراك.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين قول الرسول ﵊ لرجل قال له: ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده" (^١).
فالجواب: أن الأمور الشرعية لا حرج أن تقرن الرسول ﵊ مع الرب ﷿ بالواو، وأما الأمور الكونية فلا يجوز؛ لأنها من خصائص الربوبية، وفعل العبد بعد فعل الله، أما الحكم فإن حكم الرسول حكم لله، ولهذا
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٢١٤)؛ والنسائي في عمل اليوم والليلة (٩٨٨)؛ والبخاري في الأدب (٧٨٣)، من حديث ابن عباس.
[ ١ / ١١٥ ]
قال الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩] ولم يقل: ثم رسوله؛ لأن هذا الإيتاء إيتاء شرعي، إيتاء للزكاة والأموال الشرعية، أما الأمور الكونية فلأنها من خصائص الربوبية، فلا بد أن يكون فعل العبد بعد فعل الله، فقول: "ما شاء الله وشئت" لا يجوز؛ لأنه جعلت مشيئة الرسول - ﷺ - كمشيئة الله، وليس كذلك، لكن طاعة الرسول - ﷺ - كطاعة الله، قال الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فجعل الله طاعة الرسول طاعة له.
وأما حديث علي بن حاتم في صحيح الإمام مسلم قال: أن رجلًا خطب عند النبي - ﷺ -، فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله - ﷺ -: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى" (^١)، فأحسن ما قيل في الجواب عن ذلك: أن الرسول - ﷺ - أثنى عليه شرًا، لكون المقام لا يقتضي هذا، فالمقام يقتضي أن يفصل ويبسط؛ لأنه ربما تخاطب قومًا بمثل هذا الخطاب فيظن أنه لا يكون غي إلا إذا كان الأمر من الله ورسوله، فلكل مقام مقال، فالرسول ﵊ إنما أثنى عليه شرًا؛ لكونه لم يستعمل في الخطبة السياق المناسب، لا لأن هذا ممنوع؛ لأن الرسول ﵊ نفسه قال مثل هذا.
وما ذكره بعض العلماء حيث قال: إنما أنكر عليه لأنه قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما" وسكت، ثم قال:
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، حديث رقم (٨٧٠).
[ ١ / ١١٦ ]
"فقد غوى"، فكأن قوله: "يعصهما" معطوفة على "يطع"، فهذا بعيد، ويحتاج لإثبات أنه سكت، ثم لو سكت المتكلم فقال: "ومن يعصهما"، ثم قال: "فقد غوى" فإنه يعرف أن هذه الجملة مفرعة على ما قبلها.
٦ - إثبات الجزاء يوم القيامة، لقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ ووجه ذلك: أن إدخال الجنات ليس في الدنيا، وإنما هو في الآخرة.
مسألة: قال العلماء: إن الجمع بين قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، وبين قوله - ﷺ -: "لا يدخل الجنة أحد بعمله" (^١) بأن نجعل الباء في قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ للسببية، وأن نجعل الباء في قوله: "لا يدخل الجنة أحد بعمله" للمعاوضة والبدل، فإنه لو قورن العمل بالثواب لأحاط الثواب بالعمل، ولم يكن مقابلًا له، ثم إن توفيق الإنسان للعمل الصالح نعمة تحتاج إلى شكر.
٧ - بيان نعيم هذه الجنات، وأن الأنهار تجري من تحتها، وأنواع هذه الأنهار معروفة في آيات أخرى.
٨ - دوام نعيم هذه الجنات، لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، والخلود هنا مؤبد، وقد ذكر الله ﷿ ذلك في عدة آيات من القرآن، وأجمع المسلمون على أن نعيم الجنة مؤبد، ولم يذكر في ذلك خلاف.
٩ - أن هذا النعيم هو الربح العظيم الذي لا يماثله شيء، لقوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
* * *
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل يرحمه الله (٢٨١٨) عن عائشة ﵂.
[ ١ / ١١٧ ]