١ - أن معصية الله ﷿ سبب لدخول النار؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾، وإنما قلنا: سبب؛ لأنه قد يتخلف لوجود مانع، وهو: عفو الله ﷿ في غير الشرك، أما الشرك فلا بد أن يدخل صاحبه النار ويخلد؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]، وعلى هذا فنقول: المعصية إن كانت دون الشرك فهي سبب لدخول النار، وليس
[ ١ / ١١٩ ]
دخول النار واجبًا بها، إذ قد يعفى عنه، وإن كانت شركًا فهي سبب حتمي، فلا بد أن يدخل صاحبها النار ويخلد فيها.
أما الشرك الأصغر فليس سببًا للخلود، لكن هل هو سبب للدخول؟ هذا ينبني على معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] هل هذا الشرك عام أو مطلق؟ فإن قلنا: إنه عام، صار الشرك ولو كان أصغر لا يغفر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، يقول: إن قوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ فعل دخل عليه حرف مصدري، فيؤول إلى مصدر أي: إشراكًا به، و"إشراك" نكرة في سياق النفي، فتكون للعموم.
لكن في نفسي من هذا شيء، والشرك الأصغر أكبر من الكبائر، قال ابن مسعود - ﵁ -: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا" (^١).
والشرك الأصغر: كل ما أطلق عليه الشارع اسم شرك، وهو لا يخرج من الملة.
٢ - تحريم الوصية للوارث؛ لأنك إذا أوصيت للوارث فقد تعديت الحدود، فإذا أوصت المرأة لزوجها بالثلث، كان له على مقتضى الوصية ثلث ونصف، وهذا تعد للحدود، ولهذا قال النبي - ﷺ -: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (^٢).
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٨٧٦٥)؛ ورواه الصنعاني، كتاب الأيمان والنذور، باب الأيمان (١٥٤٠٢)؛ ورواه ابن أبي شيبة، كتاب الأيمان والنذور والكفارات، باب الرجل يحلف بغير الله أو بأبيه (١٣٨٤١).
(٢) رواه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث، حديث رقم (٢٨٧٠)؛ والترمذي، كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، حديث رقم (٢١٢٠)؛ وابن ماجه، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، حديث رقم (٢٧١٣).
[ ١ / ١٢٠ ]
٣ - تقسيم المخالف إلى عاص ومتعدٍ للحدود، فالمعصية هنا: فعل المحرم، وتعدي الحدود: ترك الواجب، أو الغلو فيه.
٤ - أن معصية رسول الله - ﷺ - معصية لله، أو كمعصية الله؛ لأنه قرنها بمعصية الله بحرف يقتضي التسوية.
٥ - أن من جمع بين الأمرين: المعصية، وتعدي الحدود، فإنه يُدخَل النار. ولكن هل هو دخول أبدي أو دخول مؤقت؟ الجواب أن يقال: حسب المعصية؛ لأن الله ذكر في الآية التي قبلها أن من أطاع الله ورسوله دخل الجنات، وهنا قال: من عصى الله ورسوله دخل النار، فيقال: الطاعة الغالبة يدخل فيها صاحبها الجنة بدون أن يدخل النار، والمعصية الغالبة - التي ليس فيها طاعة - يدخل فيها النار، والجامع بين الطاعة والمعصية يدخل النار والجنة؛ لأنه وجد فيه سبب دخول الجنة والنار، فيعطى الحكم جزاء وفاقًا.
وعلى هذا: فالعاصي معصية مطلقة، والمتعدي للحدود تعديًا مطلقًا، يدخل النار ولا يدخل الجنة، والذي جمع بين المعصية والطاعة: إن غلبت الطاعة لم يدخل النار، وإن غلبت المعصية دخل النار بقدر ذنبه وخرج منها.
٦ - إثبات الخلود في النار، لقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، وقد ذكر الله سبحانه أن الخلود في النار مؤبد في آيات ثلاث من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن؛ ففي سورة النساء قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، وفي
[ ١ / ١٢١ ]
سورة الجن قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]، وإذا كان الله تعالى قد ذكر التأبيد في آيات ثلاث، فإن أي قول يخالف ذلك فهو ساقط؛ لأن من لزوم الخلود لزوم المكان، فإذا قيل: إنه خالد في النار أبدًا، لزم أن يكون المكان الذي يخلد فيه مؤبدًا، وإلا فلا معنى للتأبيد، فقول بعض العلماء: إنهم خالدون فيها أبدًا ما دامت باقية، قول ساقط لا وجه له من النظر؛ لأن الله صرح بتأبيد الخلود، ويلزم من تأبيد الخلود في المكان أبدية المكان، وإلا لم يكن للتأبيد فائدة.
٧ - أن الذين في النار - والعياذ بالله - يعذبون عذابًا مهينًا؛ أي: ذا إهانة، وليسوا مكرمين.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٨، ٤٩]؟
فالجواب من أحد وجهين:
الوجه الأول: إما أن يكون ذلك على سبيل التهكم به.
الوجه الثاني: وإما أن يكون هذا ليذكر حاله في الدنيا، والمعنى: أنت العزيز الكريم في الدنيا؛ حتى يزداد حسرة، وهو أنه في الدنيا كان عزيزًا كريمًا، والآن صار ذليلًا مهينًا. وكلا الأمرين يحصلان لهذا الذي يوجه له هذا الخطاب، فإنه يصب من فوق رأسه الحميم، ثم يقال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾، ولا شك أنه سوف يرى أنه يقال له ذلك على سبيل التهكم، ثم يذكر هو أيضًا حاله في الدنيا، وأنه كان في الدنيا عزيزًا مكرمًا، والآن وصل إلى هذا الحد من الإهانة والعياذ بالله.
* * *
[ ١ / ١٢٢ ]