١ - عظم الزنا، وأنه من الفواحش؛ لأنه بالإتفاق أن المراد
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحدود، باب حد الزنى، حديث رقم (١٦٩٠) عن عبادة بن الصامت.
[ ١ / ١٢٥ ]
بذلك الزنا، والقول بأنه السحاق قول ضعيف لا يعول عليه.
٢ - أنه لا بد في الزنا من شهادة أربعة رجال عدول، لقوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين، والصحابة كلهم عدول، أو نقول: إنه خطاب للصحابة كلهم، ويحمل هذا الإطلاق على العدالة، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
٣ - الإشارة إلى أن الرجل أقوى في الشهادة من المرأة وأثبت؛ وذلك لأن الله تعالى لم يعتبر في الزنا إلا شهادة الرجال.
٤ - أن الحد يدرأ بالشبهة، وذلك لأن اشتراط أربعة رجال من أجل إثبات الشهادة، وشهادة النساء الأربع فيها شبهة؛ لأنهن لم يضبطن، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولا شك أن الحدود تُدرأ بالشبهات، ولكن يبقى عندنا مناط الحكم، بمعنى: ما هي الشبهة التي يُدرأ بها الحد؟ فمن العلماء من توسع فيها حتى قال: إنه لو استأجر امرأة للزنا فزنى بها فلا حد عليه؛ لأن استئجاره إياها شبهة، كمن استأجر بيتًا يسكن فيه، ومن العلماء من توسط، ومنهم من شدد، والغالب أنَّ الأقوال إذا اختلفت على ثلاثة فإن الوسط هو الصحيح.
٥ - أنه لا بد من تصريح الشهداء بالشهادة في باب الزنا، لقوله: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾، ولهذا يجب أن يقول الشهود: رأينا ذكره في فرجها قد أدخله فيه كما يدخل الميل في المكحلة، فلا يكفي أن يقول الشهود: رأينا رجلًا على امرأة وهما عراة، ورأينا ذكره بين فخذيها، بل لا بد من التصريح بالجماع، كما قال الرسول عليه
[ ١ / ١٢٦ ]
الصلاة والسلام لماعز: "أنكتها؟ لا تكني"، أو قال: "لا يكني" (^١).
ولهذا قال شيخ الإسلام في زمنه: "إنه لم يثبت حد الزنا بالشهادة إلى يومنا هذا"؛ لأنها صعبة.
فإن قال قائل: هل يمكن أن نثبته بالتقاط الصورة؟
فنقول: كنا نقول بذلك، لكن لما تبين لنا دبلجة المصورين قلنا: لا نثبته، والدبلجة أنهم يلفقون صورة، ويجعلون رجلًا على امرأة قد جامعها، وليس الأمر كذلك، والدبلجة هذه مشكلة كبيرة نسأل الله أن يكفينا شرها، فقد بدؤوا يدبلجون الكلام، ويأخذون مثلًا من بعض كلامي حرفًا في كلمة من الكلمات، وحرفًا من كلمة أخرى، ويركبون بعضها على بعض، فينشؤون خطبة بصوتي على ما يريدونه، والصوت صوتي، ونبرات الكلام نبرات كلامي، فأي إنسان يريد أن يتقول على شخص فإنه يمكنه ذلك، لكن أسأل الله أن يسخر فيروسًا لهذه الآلات، كما أن هناك فيروسًا للكمبيوتر؛ حتى نسلم ويسلم الناس من شرها.
٦ - أن حبس المرأة في بيتها من أسباب درء الفتنة، لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾؛ لأن هذا نوع من العقوبة من وجه، وكف لأسباب الفتنة من وجه آخر.
٧ - الإشارة إلى أن البيت خير للمرأة، لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾، وكما قال النبي - ﷺ -: "بيوتهن خير لهن" (^٢).
٨ - أنه لا يجوز حبس المرأة في بيتها بحيث تمنع من
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحدود، باب هل يقول الإمام للمقر لعلك لمست أو غمزت (٦٨٢٤).
(٢) رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد (٥٦٧) من حديث ابن عمر، ورواه الإمام أحمد في مسنده (٥٤٤٥).
[ ١ / ١٢٧ ]
الخروج، إلا إذا كان هناك فتنة وشر، وإلا فالأصل أنها لا تمنع من الخروج من البيت، ويؤيد هذا أن الله تعالى أوجب بقاء المرأة المتوفى عنها زوجها في بيتها، فدل ذلك على أن غيرها لا يلزمها البقاء في البيت، وهو كذلك، فالبيت ينبغي أن نرغب النساء في البقاء فيه، ولكن لا نلزمهن بذلك.
٩ - مشروعية العقوبة بالحبس المؤبد، والأقرب أن للعقوبة بالحبس المؤبد أصلًا في الشرع؛ أما أن نجعل ذلك مشروعًا وهو قد نسخ، ففي النفس منه شيء.
١٠ - إثبات الجعل لله ﷿، لقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، والجعل نوعان: جعل شرعي، وجعل كوني قدري، ومن أمثلة الجعل الشرعي: قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، وقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣].
فقوله: ﴿مَا جَعَلَ﴾ أي: جعلًا شرعيًا، أما قدريًا فإنه قد جعل البحيرة والسائبة والوصيلة والحام موجودة، وأمثلة الجعل الكوني كثيرة في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ: ٩ - ١١] والأمثلة كثيرة.
١١ - إثبات الأفعال الإختيارية لله ﷿؛ أي: إثبات صفة الفعل المتجدد لله، والفعل المضاف إلى الله ثلاثة أنواع: جنس، ونوع، وفرد.
فالأول: الجنس، وهو صفة أزلية أبدية؛ أي: أن الله لم يزل ولا يزال فعّالًا، فهو فعّال في الأزل، كما هو فعال في الأبد، ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء: القول بتسلسل الحوادث في الماضي كما هي في المستقبل، لكننا لا نعلم ما
[ ١ / ١٢٨ ]