١ - أن اللواط له حكمان:
الحكم الأول: ما دلت عليه الآية، وهو أن الذي يأتي
[ ١ / ١٣٢ ]
الفاحشة من الرجال يؤذى بالقول وبالفعل، وبالهجر، وبأنواع الأذى، وكثير من الناس قد تكون أذيته أشد من ضربه، وأشد من حبسه.
الحكم الثاني: ما دلت عليه السنة، وهو قتل الفاعل والمفعول به؛ لقول النبي - ﷺ -: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (^١)، ولا يحمل هنا المطلق علي المقيد، فيقال: اقتلوا الفاعل والمفعول به إذا كانا محصنين، كما هو الشأن في الزنا؛ وذلك لأن من شرط حمل المطلق على المقيد: أن يكون الحكم واحدًا والسبب واحدًا، وهنا اختلف السبب والحكم، فهناك السبب الزنا وهو في فرج يحل في الجملة بعقد النكاح الصحيح، أو ملك اليمين، وهذا استباحة فرج لا يحل أبدًا.
وأيضًا فإن هذه الفاحشة - والعياذ بالله - يصعب التحرز منها - بخلاف الزنا -؛ لأنها تكون بين الذكور، ومن يحبس الذكور بعضهم عن بعض؟ فالتحرز منها صعب، فإذا لم يكن لها عقوبة رادعة قوية انتشرت في المجتمع، وإذا انتشرت في المجتمع فسد الرجال والنساء؛ لأن من عقوبة اللوطي أنه لا يشتهي النساء، فإذا لم يشته النساء؛ بقيت النساء متعطلة، وحصل الشر والفساد، والدليل على أن من عقوبة اللوطي أنه ينزع منه شهوة النساء: قول لوط ﵇ لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦]، فهم لم يذروا النساء إلا لأنها سلبت
_________________
(١) تقدم ص ١٣٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
شهوة النساء من نفوسهم، وإلا فإن الإنسان بفطرته يميل إلى النساء، وهذه العقوبة إذا انتشرت في المجتمع فسد رجاله ونساؤه، وتعطلت مصالحه، فلهذا كانت الحكمة تقتضي القضاء على هذه الجرثومة الفاسدة بالقتل.
ولا يصح أن يحمل هذا المطلق على المقيد؛ لما عُلم من اختلاف السبب والحكم، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الصحابة أجمعوا على قتل الفاعل والمفعول به، إلا أنهم اختلفوا في كيفية القتل، فمنهم من قال: يلقيان من شاهق من أعلى مكان في البلد ثم يتبعان بالحجارة، ومنهم من قال: يرجمان، ومنهم من حرَّق اللوطي: الفاعل والمفعول به؛ لأن جريمتهما عظيمة منكرة، وقد سماها لوط: الفاحشة، والزنا في كتاب الله سمي: فاحشة، والأول أشد.
٢ - أن من تاب وأصلح وجب الكف عن عقوبته، وقد صرح الله تعالى في آية المحاربين في سورة المائدة أن ذلك مشروط بما إذا تاب قبل القدرة عليه، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤]، أما لو تاب بعد القدرة عليه؛ فإنه لا ترفع عنه العقوبة، لكن الذي يظهر من السنة أن ما ثبت بإقرار ثم تاب فإنه يترك ليتوب، ودليل ذلك حديث ماعز بن مالك - ﵁ - حين جاء إلى النبي - ﷺ - وأقر عنده بالزنا، فأمر برجمه، فلما أذلقته الحجارة - أي: أصابه مس الحجارة - هرب؛ ولكن الصحابة لكون الرسول - ﷺ - أمرهم برجمه قالوا: لا بد من تنفيذ أمر الرسول - ﷺ -، فنفذوا الرجم، ثم أخبروا النبي - ﷺ - بذلك، فقال:
[ ١ / ١٣٤ ]
"هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه؟ ! " (^١)، فدل ذلك على أن المقر بالذنب إذا تاب ولو في أثناء الحد، فإنه يترك فيتوب الله عليه، وقوله: "هلا تركتموه يتوب" ليس لمعنى أنه يأتي إليَّ فيخبرني بما يريد ثم أقيم عليه الحد، بل المعنى هلا تركتموه بلا حد فيصلح حاله في المستقبل، فالتوبة الأولى لإقامة الحد، ولهذا قال: أريد أن تطهرني، والثانية باصلاح حاله.
٣ - أن التوبة من الذنب لا بد أن يقارنها إصلاح، لقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾.
ولكن كيف تكون التوبة في مثل هذا؟
قيل: إن التوبة في مثل هذا أن يراود فيمتنع، كأن يقال لهذا المفعول به: نريد أن نفعل بك، فإذا امتنع دل ذلك على توبته، ويقال للفاعل: هذا يريد أن تفعل به، فإذا أبى دل ذلك على توبته، وكذلك يقال في الزاني والزانية، لكن هذا القول قول منكر، بعيد عن الصواب؛ لأن المراودة لا تكون إلا في حال السر، فإن كان المراود أهلًا للفعل - أي: يتوقع منه أن يفعل - فإنه قد يستجيب، وحينئذ تقع الفاحشة، وإن كان المراوِد ليس أهلًا لأن يفعل، فسينتبه المراوَد إلى أن هذا يريد أن يختبره، فيمتنع، وبهذا نعرف أن هذا القول لا أساس له من الصحة، ولكن التوبة من هذه الفاحشة تكون كالتوبة من غيرها من الذنوب، فإذا عرفنا أن الرجل قد عزف عن هذا الشيء، وصار لا يذهب إلى المجالس التي تنتشر فيها هذه الفاحشة، وما أشبه
_________________
(١) هذه الرواية عند أبي داود في، كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك، حديث رقم (٤٤١٩)؛ وأحمد (٥/ ٢١٦) عن نعيم بن هزال.
[ ١ / ١٣٥ ]