١ - أن التوبة تنقطع باحتضار المرء؛ أي: بحضور الموت، لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.
٢ - أن المحتضر لا عبرة بقوله؛ لأنه غير كامل الشروط.
٣ - أنه يشترط لصحة التوبة أن تكون في الزمن الذي تقبل فيه التوبة، وذلك قبل حضور الموت، وحينئذ يحسن بنا أن نأتي على شروط التوبة، وقد تتبعناها فوجدناها خمسة شروط:
الشرط الأول: الإخلاص لله ﷿، بأن لا يكون الحامل له على التوبة إلا محبة الله والقرب منه، والخوف من عذابه، لا لينال شيئًا من الدنيا، أو يدفع عنه مذمة في الدنيا، إنما يحمله على التوبة الإخلاص لله ﷿.
الشرط الثاني: الندم على ما فعل من الذنب، فإن تاب بلا
[ ١ / ١٤٣ ]
ندم؛ فتوبته: إما فاسدة؛ لعدم تمام شروطها، أو ناقصة جدًا.
وقد أورد بعض العلماء على هذا الشرط إشكالًا، وهو أن الندم انفعال، والإنسان يفعل ولا ينفعل فكيف يندم؟
والجواب عن ذلك سهل جدًا: فإن الندم أن يشعر بنفسه أنه أساء فيحزن، ويتمنى أن لم يكن فعل ذلك، هذا هو الندم المراد به، وهذا شيء ممكن، ولهذا أرشد النبي ﵊ إلى أن الإنفعال قد يملكه الإنسان، فقال: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (^١)، مع أن الغضب انفعال، إذا وجد سببه ثار الإنسان، لكن مع ذلك يمكن أن يملك نفسه، فكذلك أيضًا بعث الإنفعال ممكن.
الشرط الثالث: الإقلاع عن الذنب، فإن لم يقلع فتوبته كاذبة، وهو إلى الإستهزاء بالله أقرب منه إلى تعظيم الله، إذ كيف يقول: إنه تائب من شرب الخمر، وهو مدمن عليه؟ ! وكيف يقول: إنه تائب من الربا وهو مصر عليه؟ ! فإن هذا استهزاء بالله ﷿، ولو أنك أتيت ملكًا من الملوك فقلت: أنا تائب عن سبّك، ولن أقول فيك شيئًا، لكن إذا وجد غفلة من الملك، ولو بتكليم من إلى جنبه، يقول - ولو بالإشارة - إن هذا ملك لا خير فيه، فهذا ليس توبة أبدًا، فكيف بملك الملوك ﷿، كيف تتوب إلى الله من ذنب وأنت مصر عليه؟ ! إن هذا لا يمكن.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، حديث رقم (٥٧٦٣)؛ ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب من فضل من يملك نفسه عند الغضب، حديث رقم (٢٦٠٩) عن أبي هريرة.
[ ١ / ١٤٤ ]
وقول بعضهم: وإذا كان الذنب حقًا لآدمي فلا بد من إيصاله إليه؟ !
فنقول: هذا الشرط لا يخرج عما قلنا، وهو الإقلاع عن الذنب، فإذا كان ذنبك حقًا لآدمي، وأصررت على إضاعة هذا الحق، فأنت لم تقلع عن الذنب، فإن كان حق الآدمي مالًا فأعطه إياه، وإن كان دمًا فأعطه إياه، وإن كان عرضًا فاستحلله منه.
وإن كان مالًا وقد مات الذي ظلمته فيه، فابحث عن ورثته، فإن لم تجد وتعذر عليك؛ فتصدق به، وحينئذ تتصدق به عن الورثة؛ لأنه إذا مات الميت انتقل حقه إلى الورثة، فأنت إذًا تتصدق به عن الورثة، مع الإستغفار من ظلم الميت، ولذلك؛ لو أنك أديت هذا المال إلى الورثة، فإنك لم تتب توبة تامة حتى تستغفر الله للميت؛ لأنك حقيقة حُلْتَ بينه وبين ماله.
وإذا كان الحق دمًا، مثل أن يكون رجل قد دهس شخصًا وهرب خوفًا من السلطة، ثم ندم وتاب، فماذا يصنع؟
الجواب: يذهب إلى أوليائه، ويقول: هذا الذي حصل، وكذلك لو قتله عمدًا وندم، فإنه يذهب إلى أوليائه ويقول: لقد قتلت صاحبكم عمدًا.
وإذا كان قد ظلم شخصًا في عرضه، فقد قال بعض العلماء: لا بد أن يستحله، بأن يذهب إليه ويقول: إني اغتبتك فحللني، وقد اعترض بعض العلماء على ذلك فقال: إنه إذا ذهب وقال له: إني اغتبتك فحللني، ربما تأخذه العزة بالإثم ويقول: لا. فالتفصيل في ذلك هو: أنه إذا كان قد علم بأنك اغتبته؛
[ ١ / ١٤٥ ]
وجب عليك أن تستحله، أما إذا لم يعلم، ولا تخشى أن يعلم، فإنه يكفي أن تستغفر له، كما جاء في الحديث: "كفارة من اغتبته أن تستغفر له" (^١)، فتستغفر له، وتذكره بخير في المجالس التي اغتبته فيها.
الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل إلى ما تاب منه، فإن كان قد تاب، وندم وأقلع، لكن في قلبه أنه لو تمكن من فعل الشيء مرة ثانية لفعله، فإن هذا لا تصح توبته؛ لأنه لم يعزم على أن لا يعود، إذًا لا بد أن يعزم على أن لا يعود، فإن كان يحدث نفسه بأنه لو حصل له هذا الذنب لعاد إليه، فإنه لم يتب.
وهناك فرق بين قولنا: "العزم على ألا يعود"، وبين قولنا: "من الشروط ألا يعود"، فإن عدم العود ليس بشرط، بل الشرط أن يعزم على ألا يعود، والفرق بينهما ظاهر؛ لأنه إذا قلنا: يشترط العزم على ألا يعود، وعزم على ألا يعود، ثم سولت له نفسه بعد ذلك فعاد، فإن التوبة الأولى صحيحة، لكن قولنا: يشترط ألا يعود، فإن معنى ذلك أنه إذا عاد بعد ذلك فتوبته غير صحيحة، وهذا غير صحيح، ولذلك فإن العلماء يقولون: يشترط أن يعزم على ألا يعود.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت تقبل من التائب، فان كانت في وقت لا تقبل منه - كما لو حضر الأجل، أو طلعت الشمس من مغربها - فإن التوبة لا تقبل، قال النبي - ﷺ -: "لا تنقطع التوبة حتى تنقطع الهجرة، ولا تنقطع الهجرة حتى تطلع الشمس
_________________
(١) مسند الحارث (٢/ ٩٧٤) (١٠٨٠) عن أنس.
[ ١ / ١٤٦ ]
من مغربها" (^١)، فإذا تاب الإنسان عند طلوع الشمس من مغربها، أو عند حلول الأجل؛ لم تقبل منه، فإن فرعون لما أدركه الغرق آمن، وقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]؛ أي: الله ﷿، لكنه لم يصرح باسم الله، وإنما قال: ﴿الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾، مبالغة في التذلل، واتباعه لبني إسرائيل بعد ما كان مستعليًا ومتكبرًا عليهم، فالآن صار تابعًا لهم، قال: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] أي: من المسلمين لله، فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس: ٩١].
مسألة: اختلف العلماء ﵏ هل يشترط لقبول التوبة أن ينزع عن جميع المعاصي أم لا يشترط؟
فمنهم من قال: يشترط أن ينزع عن جميع المعاصي، وأن من تاب من الزنا وهو يرابي، فإن توبته من الزنا لا تقبل؛ لأن التوبة الحقيقية هي التي تملأ قلب العبد خشية لله وتعظيمًا له، والذي يتوب من ذنب وهو مصر على الآخر، لا يتحقق ذلك في حقه.
ومنهم من فصل وقال: إن كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه، فإنه لا تقبل توبته، وإن كان من غير جنسه، فإنها تقبل، مثال ذلك: لو تاب من النظر إلى النساء - النظر المحرم -، ولكنه يلمس النساء لمسًا محرمًا، فهنا الجنس واحد، فلا تقبل توبته من النظر المحرم؛ لأنه يمارس جنسه،
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الهجرة هل انقطعت؟ حديث رقم (٢٤٧٩)؛ وأحمد (٤/ ٩٩) عن معاوية بن أبي سفيان.
[ ١ / ١٤٧ ]
فالنفس إذًا متعلقة بهذا الجنس من الذنوب، ولم تقلع عنه، أما إذا كان من غير جنسه فإنها تقبل، فلو تاب من الربا وهو يزني، أو يشرب الخمر، فتوبته من الربا صحيحة مقبولة، ولو تاب من شرب الخمر وهو مصر على الزنا، فتوبته منه مقبولة.
والصحيح أن التوبة من الذنب تقبل مع الإصرار على غيره، لكنه لا يستحق التائب منه وصف التائبين الوصف المطلق، وإنما هو تائب توبة مقيدة بهذا الذنب المعين، فوصفه بالتوبة من هذا الذنب وصف مقيد؛ لأن هذا هو العدل، والله ﷿ أمر بالعدل والقسط، وهو سبحانه أهل العدل والقسط، وهذا القول هو الصحيح.
وقد قال ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين عندما تكلم عن هذه المسألة، قال: "وبعد: فإن هذه المسألة لها غور بعيد - أي: أنها ليست بالأمر الهين الذي تلقى أحكامها على اللسان-؛ لأن لها تعلقًا بالقلوب، والقلوب حساسة كالكرة على سطح الماء، تهتز ولا يمسكها شيء"، فالمسألة في الحقيقة لها غور عظيم، وأصل التوبة: تعظيم الله ﷿، وإجلاله، والخشية منه، والخوف منه، فإذا تحقق للإنسان هذا؛ هانت عليه التوبة، وأما مع عدم ذلك فإن التوبة عليه صعبة المنال.
وهنا إشكال: وهو أنه إذا كانت التوبة لا تنفع عند حضور الأجل، فما الجواب عن قول الرسول - ﷺ - لعمه أبي طالب حينما حضره الموت: "قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" (^١)؟
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب قصة أبي طالب، حديث رقم (٣٦٧١)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع، حديث رقم (٢٤).
[ ١ / ١٤٨ ]
والجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن هذه قضية عين، فكما أن أبا طالب ينتفع بشفاعة الرسول ﵊ دون غيره من الكافرين، فقد ينتفع بإسلامه دون غيره من التائبين في هذه الحال.
الوجه الثاني: أن النبي - ﷺ - لم يجزم بأنها تنفعه، بل قال: "أحاج لك بها عند الله" (^١)، والمحاج قد تقبل حجته وقد لا تقبل، فإذا كان هذا الحديث لا يدل على أنها تقبل جزمًا، فإنه من المتشابه الذي يحمل على المحكم، وهو أن التوبة في هذه الحال لا تقبل.
مسألة: قد يترك بعض الناس الربا، أو شرب الخمر، أو الزنا، ليس توبة إلى الله، وإنما مللًا من هذا العمل، فهل يوصفون بالفسق؟
الجواب: أن نقول: أما باطنًا فهم فساق، وأما ظاهرًا فلا؛ لأننا نحكم بالظاهر، حتى وإن وجدت قرينة؛ والدليل على ذلك: حديث أسامة بن زيد - ﵁ - حين لحق المشرك، فلما أدركه ليقتله قال المشرك: لا إله إلا الله، فقتله متأولًا، فلما بلغ النبي - ﷺ - قال له: "أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ " قال: نعم، قال: "قتلته؟ " قال: نعم، قال: "فما تفعل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة"؟ ! فما زال يكرر عليه حتى قال: تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد (^٢)، فنحن الآن نوافق أسامة - ﵁ - على
_________________
(١) الحديث السابق.
(٢) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي - ﷺ - أسامة بن زيد إلى الحرقات، حديث رقم (٤٠٢١)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل =
[ ١ / ١٤٩ ]