١ - تحريم إرث النساء على وجه يكرهنه، كما يجري في الجاهلية، لقوله:
﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾.
[ ١ / ١٥٤ ]
٢ - أن نفي الحل يراد به التحريم؛ وذلك لأن نفي الشيء إثبات لضده.
٣ - أنه لو ورث المرأة على وجه ترضى به فلا بأس، لكنه مقيد برضا الشرع، فلو تزوج بعد موت ابن عمه زوجة ابن عمه، فإن ذلك لا بأس به، ولو تزوج زوجة أخيه بعد موته برضاها وبعقد شرعي فلا بأس.
٤ - تحريم عضل المرأة بغير حق؛ لتفتدي نفسها، لقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾.
٥ - الإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يكون الخلع بأكثر مما أعطاها، لقوله: ﴿بِبَعْضِ﴾، ولكن قد يناقش في هذه الفائدة فيقال: إن الله نهى عن العضل ليذهب ببعض ما آتاها؛ لبيان أن العضل لأخذ شيء منها ولو قل حرام، وليس فيه التعرض بما إذا أخذ أكثر أو أقل، وقد اختلف العلماء هل يجوز للإنسان في الخلع أن يأخذ أكثر مما أعطاها أم لا يجوز؟ المسألة فيها ثلاثة أقوال: الجواز، والتحريم، والكراهة.
٦ - تنويع الخطاب، لقوله تعالى في أول الآية: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، وبعد ذلك قال: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ هذا إذا جعلنا: ﴿لَا﴾ ناهية، فإن جعلناها نافية للتوكيد، وجعلنا تقدير الآية: ولا أن تعضلوهن لتذهبوا، صار الكلام على نسق واحد، والآية محتملة لأن تكون ﴿لَا﴾ ناهية، وقوله: ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ مجزومة بلا الناهية، وأن تكون "الواو" حرف عطف، و﴿لَا﴾ زائدة للتوكيد، وقوله: ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ معطوفة على قوله: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ﴾، والمعنى: ولا أن تعضلوهن، فإن كان الأول؛ ففيه
[ ١ / ١٥٥ ]
اختلاف في الأسلوب، وإن كان الثاني؛ فالأسلوب على نسق واحد، ولكن لا شك أنه من الفصاحة والبيان والبلاغة أن يتنوع الأسلوب والخطاب إذا اقتضت البلاغة ذلك.
٧ - أن الصداق للمرأة، لقوله: ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي: أعطيتموهن، وهو كذلك، وقد سبق في أول السورة ما هو واضح جدًا بأن الصداق حق للمرأة في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وعلى هذا فإذا كانت مكلفة رشيدة، فالأمر إليها، فيما لو أسقطت عن زوجها بعض المهر أو كل المهر، ولا اعتراض لأحد عليها، وأيضًا لا يحل لأحد أن يأخذ من المهر شيئًا؛ لا اختيارًا، ولا غصبًا، إلا بعد أن يتم العقد، وتملك الزوجة مهرها، فلها حينئذ أن تتبرع بما شاءت لمن شاءت، إذا كانت أهلًا للتبرع.
٨ - أن سوء العشرة مبيح لعضل المرأة لتفتدي نفسها، تؤخذ من قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي: فلكم أن تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن.
٩ - وجوب معاشرة المرأة بالمعروف، لقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
١٠ - اعتبار العرف في إحالة الحكم عليه، لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقد أحال الله تعالى على العرف في مواضع متعددة، مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولكن هذا المعروف - الذي هو العرف - لا يعتمد ولا يرجع إليه إذا كان مخالفًا لمعروف الشرع؛ لأن الشرع مُحكَّم وحاكم على العادة.
[ ١ / ١٥٦ ]
١١ - الإشارة إلى أنه ينبغي للزوج أن يصبر إذا رأى من زوجته ما يكره، فإن العاقبة قد تكون حميدة، لقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
١٢ - أنه وإن كان الحكم ورد في كراهة الزوجة، فالعلة عامة، فكثيرًا ما يكره الإنسان الشيء ويجعل الله ﷿ عاقبته حميدة نافعة له، وهذا أمر مشاهد محسوس، وقد تكون العاقبة غير حميدة، لكن الغالب أن وعد الله يتحقق.
فإن قال قائل: ﴿عَسَى﴾ هنا هل هي للتحقق أو للرجاء؟
فنقول: قال العلماء: "عسى" من الله واجبة، فإذا قال الله: "عسى" فهي واجبة، والأمر واجب ويقع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٩]، وذلك لأن الرجاء في حقه ﷿ غير وارد، إذ أنه هو المتصرف المدبر، والرجاء إنما يكون ممن لا يملك الشيء فيرجوه من غيره، وعلى هذا فتكون الآية وعدًا من الله أن من صبر ابتغاء وجه الله على ما يكرهه، واحتسابًا لثواب الله، بأن يجعل الله فيه خيرًا كثيرًا، فإنه يتحقق له هذا الوعد، فإن تخلف هذا الوعد فلوجود مانع، وإلا فإن وعد الله حق.
١٣ - إثبات وصف الله ﷿ بالجعل، لقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، والجعل: كوني وشرعي، وأكثر ما في القرآن هو الشرعي، قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]، مع أن هذا يحتمل أن يكون جعلًا كونيًا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] أي: ما جعلها
[ ١ / ١٥٧ ]