١ - تحريم نكاح هؤلاء السبع بالنسب، وكلهن قريبات، لقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾.
فإن قال قائل: إضافة التحريم هنا إلى الأعيان، فما الذي خصصه بالنكاح، ألا يجوز أن يقول قائل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أي: لا تنظروا إليهن، أو لا تقتلوهن، فما الذي يقيد التحريم بالنكاح؟
فنقول: يفهم ذلك من سياق الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، فالسياق في الآية التي قبلها وفيها أيضًا كل ذلك في النكاح، فتعين أن يكون المراد به النكاح، وما زعمه بعض العلماء من أن في الآية إجمالًا مترددًا بين كذا وكذا، فهذا لا وجه له.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب سورة ق، حديث رقم (٤٥٦٩)؛ ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، حديث رقم (٢٨٤٦) عن أبي هريرة.
[ ١ / ١٨١ ]
٢ - ثبوت التحريم بالرضاع، لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
مسألة: ضوابط المحرمات من المصاهرة:
يحرم على الزوج خاصة أصول زوجته وفروعها، لكن الأصول بمجرد العقد، والفروع لا بد من الدخول، والفروع سماها الله: ربائب، والأصول سماها الله: أمهات نسائكم.
ويحرم على الزوجة خاصة أصول زوجها وفروعه، فالمحرمات بالمصاهرة أربعة: أصول الزوج على الزوجة خاصة، وفروع الزوج على الزوجة خاصة، وأصول الزوجة على الزوج خاصة، وهذه الثلاث يثبت فيها التحريم بمجرد العقد، والرابع: فروع الزوجة على الزوج خاصة، لكن بشرط الدخول.
مسألة: بناء على ذلك هل يجوز للإنسان أن يتزوج بنت زوجة أبيه؟
هذه المسألة فيها تفصيل، فإن كانت زوجة أبيه هي أمه، فلا يجوز؛ لأن بنتها أخته، وأما من غيرها فنقول: يجوز للإنسان أن يتزوج بنت زوجة أبيه.
مسألة: هل يجوز أن يتزوج أم زوجة أبيه؟
قلنا: إن التحريم يتعلق بالزوج خاصة، أو بالزوجة خاصة، فيحرم على الزوج أصول الزوجة وفروعها، ويحرم على الزوجة أصول الزوج وفروعه، وهذا الرجل أراد أن يتزوج أم زوجة أبيه، فيجوز؛ لأن أصول الزوجة إنما يحرمون على الزوج خاصة؛ أي: أن التحريم يتعلق بالزوج فقط، وبالزوجة فقط، هذا هو الضابط في المحرمات بالمصاهرة، والقرآن واضح في هذا.
[ ١ / ١٨٢ ]
٣ - أن الأم عند الإطلاق لا يدخل فيها الأم من الرضاعة، ووجه ذلك: أنه لو كانت الأم من الرضاع تدخل في الأم عند الإطلاق، لما احتيج إلى قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾؛ لأنها تدخل في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، ويتفرع عن هذه الفائدة: أن أم الزوجة من الرضاع لا تدخل في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾؛ لأنه عند الإطلاق لا تدخل فيها الأم من الرضاع، فإذا قال قائل: أم الزوجة من الرضاع حرام، لدخولها في عموم قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾.
فنقول: لا نسلم بهذا؛ لأن الأم عند الإطلاق لا تدخل فيها الأم من الرضاع، بدليل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، ولو كانت الأم عند الإطلاق تدخل فيها الأم من الرضاعة لكان في الآية تكرار منافٍ للبلاغة.
٤ - ثبوت الأمومة بالرضاع، وعلى هذا فيصح أن يقول القائل لمن أرضعته: أمي، لكن لا ينبغي أن يقولها إلا مقيدة؛ لأن الله قيدها، فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، فيقول: أمي من الرضاعة؛ لئلا يتوهم السامع أنها أم من النسب.
ويتفرع عن هذه الفائدة: أن ما يطلقه كثير من الناس على زوجة الأب أنها عمة، وبعضهم يسميها خالة، على الإطلاق، وكذلك ما يفعله بعض الناس من إطلاق اسم العم أو الخال على أبي الزوجة، فيقول: عمي، أو خالي، وهذا غلط؛ لأنها تسمية لا تصح لغة، ولا شرعًا، وتُوهم، ولهذا نهى النبي - ﷺ - عن تسمية العشاء بالعتمة، فقال: "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم
[ ١ / ١٨٣ ]
العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء" (^١) يقول الله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨].
فالحقائق لا ينبغي أن تطلق على خلاف الحقائق الشرعية.
٥ - أن المرضعة تحرم بمطلق الرضاعة، لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، والرضاع يصدق بمرة، بل بمصة؛ لأن من مص من ثدي المرأة قيل: إنه رضع، وعلى هذا فيثبت التحريم بمجرد رضعة واحدة، وإلى هذا ذهب الظاهرية، وقالوا: إن التحريم بالرضاع يثبت بالرضعة الواحدة؛ لأنه جاء مطلقًا في القرآن، والمطلق يصدق بمرة واحدة.
ولكن الصحيح أن هذا الإطلاق في القرآن قد قيدته السنة، فيما صح عن النبي - ﷺ - في قوله: "لا تحرم المصة ولا المصتان" وفي حديث آخر: "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان" (^٢)، ومنطوق هذا الحديث: أن المصة والمصتين لا تحرم، ومفهومه: أن ما زاد عليهما يحرم، وإلى هذا ذهب أيضًا كثير من علماء أهل القياس، وقالوا: إن الثلاث محرمة؛ لمفهوم الحديث.
وقال بعض العلماء: لا يحرم إلا خمس رضعات، لما صح في مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات،
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب وقت العشاء وتأخيرها، حديث رقم (٦٤٤) عن ابن عمر.
(٢) رواه مسلم، كتاب الرضاع، باب في المصة والمصتان، حديث رقم (١٤٥١) عن أم الفضل.
[ ١ / ١٨٤ ]
فتوفي رسول الله - ﷺ - وهي فيما يقرآ من القرآن" (^١)، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ﵀، وأجاب عن الحديث: "لا تحرم المصة ولا المصتان" بأن تحريم الثلاث بالمفهوم، وإذا تعارض المفهوم والمنطوق فيقدم المنطوق؛ لأن المفهوم واسع يصدق بصورة واحدة، فمثلًا: لا تحرم المصة ولا المصتان والثلاث، والأربع، والخمس، والعشر مسكوت عنها، وبالمفهوم أنه إذا رضع خمس رضعات ثبت التحريم، وإذا قلنا: يثبت التحريم بخمس رضعات، فإننا لم نخالف المنطوق؛ لأن مفهومه أن الثنتين لا تحرم، وما زاد فيصدق بصورة واحدة، ولهذا نقول: إننا نقدم دلالة المنطوق.
لكن بعض العلماء طعن في هذا الحديث طعنًا موجعًا، وقال: إن هذا الحديث لا يصح ولو كان في صحيح مسلم، إذ كيف يتوفى رسول الله - ﷺ - وهي فيما يتلى من القرآن، ولم نجدها الآن في القرآن؛ لأنها إذا كانت بعد وفاة الرسول ﵊ موجودة في القرآن، فيجب أن تبقى، ولو فتح هذا الباب لكان هذا سبيلًا إلى تصحيح قول الرافضة بأن في القرآن شيئًا محذوفًا.
وبناء على ذلك: فإن المتن منكر، ونأخذ بحديث: "لا تحرم المصة ولا المصتان" (^٢) أو نأخذ بالإطلاق.
ولكن عند التأمل لا يتبين أن هذا طعن في الحديث؛ لأن
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات، حديث رقم (١٤٥٢).
(٢) تقدم ص ٩٤.
[ ١ / ١٨٥ ]
عائشة ﵂ صرحت بالنسخ، ولكنها كانت فيما يتلى من القرآن عند وفاة الرسول - ﷺ -؛ لعدم علم التالي لها بالنسخ، وهذا أمر واقع، فالحديث يدل على أن النسخ وقع متأخرًا ولم يعلم به بعض الناس، فصار يقرؤه فيما يتلو من القرآن، وإذا زال الإشكال فإنه لا ينبغي أن نتجرأ على الطعن في الرواة؛ لأنك إذا حكمت بنكارة المتن حكمت بوهم الرواة وخطئهم، وهذا شيء صعب، فمهما أمكن قبول خبر الثقة فإنه يقبل، أما إذا لم يمكن وكان مخالفًا للقرآن؛ فلا يقبل، لكن إذا كان غير مخالف وأمكن الجمع فإنه يجمع.
وهذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ هو الصحيح؛ أن المحرم خمس رضعات، وفي الحديث: "معلومات"، فلو وقع الشك في عددها هل هي خمس أو أربع؟ فلا عبرة بهذا الرضاع؛ لأن الحديث قيد الرضعات بأن تكون معلومات، ومع الشك لا يثبت الحكم، وهذا مما يطمئن الإنسان لما يفتي به الناس في هذه المسألة؛ لأن كثيرًا من الناس يأتي ويقول: إن الرضاع ثابت، لكن لا ندري كم كان الرضاع.
فنقول: ما دام أن الحديث: "خمس رضعات معلومات" فإن ما شك فيه ليس معلومًا، وحينئذ فلا يثبت به الحكم.
بقي أن ننظر: هل يمكن أن يقيد إطلاق القرآن بالسنة؟
والجواب: نعم، يمكن أن يقيد إطلاق القرآن بالسنة، كما يخصص عموم القرآن بالسنة، وأما نسخ القرآن بالسنة فالصحيح أنه ينسخ القرآن بالسنة إذا صحت؛ لأن الكل من عند الله ﷿، فقد ينسخ الله قوله بقوله، وقد ينسخ الله قوله بقول رسوله - ﷺ -، إذًا: المحرم "خمس رضعات معلومات".
[ ١ / ١٨٦ ]
وما هي الرضعة؟ الرضعة هي على الأصح المشبعة، وليس في الحديث: خمس رضعات مشبعات، ولذلك قال بعضهم: الرضعة هي المصة، لقوله: "لا تحرم المصة ولا المصتان"، ومعلوم أن الطفل إذا مص فقد رضع، وأتاه اللبن بمصته، وعلى هذا فيمكن أن تكون الخمس في مجلس واحد، وفي نَفَس واحد، فإن الطفل يمكن أن يمص خمس مرات في نفس واحد، والثدي في فمه، ولكن هذا فيه شيء من الإشتباه؛ لأن الإحاطة بهذا صعبة.
وقال بعض العلماء: المراد بالرضعة التقام الثدي، فما دام الصبي ملتقمًا للثدي فهذه رضعة، وإذا أطلقه لأي سبب من الأسباب فقد تمت الرضعة، سواء أطلقه لتنفس، أو لسماع صوت أزعجه، أو لنقل أمه له من الجهة اليمنى إلى اليسرى، أو ما أشبه ذلك، المهم أن الرضعة التقام الثدي، فما دام الطفل ملتقمًا للثدي فهي رضعة، وإذا أطلقه لأي سبب فقد تمت الرضعة.
وعلى هذا فيمكن أن تتم الخمس الرضعات في مجلس واحد. وقال بعض العلماء: إن الرضعة هي فَعْلة مما يعد رضعة؛ أي: وجبة في الرضاع، كما تقول: أكلة، كما جاء في الحديث: "إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها" (^١)، فالحمد يكون عند الإنتهاء من الأكل، فتكون الرضعة كالأكلة تمامًا، فلا بد أن تكون الرضعة الأخرى منفصلة عن الأولى بزمن يعد انفصالًا، كأن تكون واحدة في الصباح، وواحدة في المساء، وواحدة في الليل، وواحدة في السحر، وما أشبه ذلك، وهذا هو
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب رقم (٢٧٣٤).
[ ١ / ١٨٧ ]
اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀: أن المراد بالرضعة ما انفصلت عن أختها انفصالًا بيِّنًا، لتكون رضعة كاملة.
وإذا قدرنا أن الحديث يحتمل المعاني الثلاثة، وهي: المصة، والتقام الثدي، والوجبة من الرضاع، فإن الأصل الحل حتى يقوم دليل بيِّن على أن هذا الرضاع محرم، وبناءً على هذا الأصل يكون الراجح هو القول الثالث؛ لأن دلالة الحديث على المعنى الأول مشكلة وفيها اشتباه، وعلى المعنى الثاني فيها أيضًا اشتباه، وعلى المعنى الثالث تتفق الأقوال وليس فيها اشتباه، وحينئذ فنأخذ بهذا؛ لأن الأصل الحل، حتى يثبت التحريم بيقين ليرفع هذا الأصل.
إذًا: قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ مطلق قيدته السنة بخمس رضعات، وفي الآية أيضًا إطلاق آخر؛ فإن ظاهر الآية أنه يشمل الإرضاع في الصغر، والإرضاع في الكبر، فهل هذا الظاهر مراد؟
نقول: هو مراد عند بعض العلماء؛ كالظاهرية، فعندهم أن إرضاع الكبير كإرضاع الصغير، واستأنسوا لقولهم بحديث سالم مولى أبي حذيفة - ﵁ -، حيث كان متبنى عند أبي حذيفة - أي: من أبنائه الذين تبناهم في الجاهلية - ومعلوم أنه إذا كان ابنًا فسوف يدخل على البيت ليلًا ونهارًا، وفي أقصى البيت وأدناه، فهو كالولد تمامًا، فلما أبطل الله التبني جاءت امرأة أبي حذيفة إلى النبي ﵊ وقالت: "إن سالمًا كان يدخل علينا - أي: ويشق علينا أن نتحرز منه - فقال: "أرضعيه تحرمي عليه"" (^١)،
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير (١٤٥٣) عن عائشة.
[ ١ / ١٨٨ ]
يعني: وإذا حرمتي عليه جاز أن ينظر إليك، وأن يخلو بك، وهو كبير، وهذا الحديث مطابق لظاهر الآية، فيكون شاهدًا للإطلاق.
وقال بعض العلماء: إنه لا يعتبر في الرضاع إلا إذا كان في الحولين؛ لأن قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ أي: الإرضاع المعتبر شرعًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فما كان في الحولين فهو رضاع معتبر، وما كان بعد الحولين فلا عبرة به؛ لأن هذا هو زمن الإرضاع الذي قال الله تعالى فيه: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
وهذا هو المشهور عند أكثر أهل العلم، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، أن العبرة بالحولين، فما كان قبلهما فهو رضاع معتبر، وما كان بعدهما فليس بمعتبر، قالوا: وهذا حد فاصل لا يبقي اشتباهًا، وعليه: فلو أرضعته ثلاث مرات في يوم السبت، والرابعة في ضحى يوم الأحد، والخامسة بعد ظهر يوم الأحد، وولادته عند زوال الشمس فيتم السنتين عند زوال الشمس، فإن هذا الرضاع غير معتبر؛ لأن الخامسة وقعت بعد الحولين، مع أن الرابعة لم تنهضم بعد في المعدة، فلا زالت باقية في معدته، ولكن تمت السنتان، كما أن الرجل قبل تمام خمس عشرة سنة غير بالغ، وبعدها يصير بالغًا، فلو أنه فعل شيئًا يشترط فيه البلوغ ضحى اليوم الذي بلغ فيه، فإنه لا يؤاخذ به، وآخر النهار يؤاخذ به.
وقال بعض العلماء: إن المعتبر هو الفطام، فما كان قبل الفطام فهو معتبر، وما كان بعده فليس بمعتبر؛ لحديث: "لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل
[ ١ / ١٨٩ ]
الفطام" (^١)، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، لكن يؤيده النظر؛ لأن الإرضاع قبل الفطام يؤثر في نمو الولد، وليس له إلا هذا الغذاء، وبعد الفطام لا فرق بين الصغير والكبير في تأثير الرضاع؛ لأنه إذا فطم وصار لا يأكل إلا الطعام، فلا فرق بينه وبين من له عشر سنوات، فإن تأثير الغذاء عنده باللبن كتأثيره عند صاحب العشر سنوات، وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو أن العبرة بالفطام، وهذا من حيث المعنى أصح، لكن فيه شيء من العسر، وذلك لعدم انضباطه في بعض الأحيان؛ لأن الطفل لا يفطم مرة واحدة، بل يفطم شيئًا فشيئًا؛ لصعوبة الفطام عليه.
ولو قال قائل: باعتبار الأكثر من الفطام، أو السنتين؛ لم يكن هذا القول بعيدًا، فإذا فطم قبل السنتين امتد الحكم إلى السنتين، وإن تمت السنتان قبل فطامه امتد الحكم إلى فطامه، فلو قيل بهذا لكان جيدًا، لكن تعليقه بالفطام أصح من حيث المعنى؛ لأنه إذا فطم فلن يتغذى باللبن، وليس معنى قولنا: "لا يتغذى باللبن" أنه لا يستفيد منه، فإن الإنسان يستفيد من اللبن حتى ولو كان له خمسون سنة، لكنه ليس غذاء له إذا فطم.
فإن قال قائل: ما الجواب عن إطلاق الآية وعن قصة سالم؟
فنقول: أما إطلاق الآية فقد ذكرنا أنها مقيدة بعدد خمس
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الرضاع، باب ما ذكر أن الرضاعة لا تحرم في الصغر دون الحولين، حديث رقم (١١٥٢)؛ والنسائي في الكبرى، كتاب النكاح، باب الرضاعة بعد الفطام قبل الحولين، حديث رقم (٥٤٦٥).
[ ١ / ١٩٠ ]
رضعات، فلتقيد بالزمن أيضًا، وهو الحولان، ثم إن ظاهر الآية يؤيد اشتراط الفطام؛ لأنه قال: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، ومعلوم أن الكبار ليسوا من المراضيع، فقد فطموا وانتهوا، فظاهر قوله: ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ يعني في وقت الرضاع، أما قصة سالم مولى أبي حذيفة فالجواب عنها بأحد ثلاثة أوجه: فإما أنها منسوخة، أو خاصة به عينًا، أو خاصة به نوعًا.
أما القول بأنها منسوخة، فهذا ليس بشيء؛ لأن الأصل عدم النسخ، ولا بد من إثبات التاريخ، وتعذر الجمع.
وأما القول بأنها خاصة به عينًا فضعيف أيضًا؛ لأن الله ﷿ لا يمكن أن يخص أحدًا بحكم إلا لمعنى فيه، حتى النبي ﵊ ما خص بما خص به من الأحكام إلا لأنه نبي، لا لأنه محمد بن عبد الله، فلا بد من علة يتغير بها الحكم، ويخصص به من اتصف بها، وما هو المعنى الذي يخص به سالم حتى نقول: إن الحكم لا يتعداه، وأنه خاص به؟ لأننا إذا قلنا: إن الحكم لا يتعداه، وأنه خاص به؛ صار معناه: أنه حكم له بذلك؛ لأنه سالم مولى أبي حذيفة، وهذا لا معنى له، وعلى هذا فيضعف هذا القول أيضًا.
بقي الوجه الثالث، وهو أنه خاص به نوعًا، فإذا وجد حال مثل حال سالم ثبت الحكم، وهذا لا يمكن أن يكون الآن؛ لأن ابن التبنِّي قد بطل شرعًا، وعلى هذا فلا يرد علينا أبدًا، ما دمنا قررنا أنه لا أحد يخصص عينًا بحكم من شريعة الله، ولا بد أن يكون هناك معنى يتعدى إلى نوعه، وهذا لا يمكن.
لكن شيخ الإسلام ﵀ له في هذه المسألة قولان:
[ ١ / ١٩١ ]
القول الأول: يوافق ما قلت، من أنه لا بد من مراعاة التبني.
والقول الثاني: يعتبر الحاجة، وأنه متى ما احتيج إلى إرضاع الكبير رضع، وثبت حكم الرضاع، ولكن قوله هذا ضعيف كقول الذين يرون رضاع الكبير؛ وقد قلنا: إن هذا القول ضعيف؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "إياكم والدخول على النساء! " فقالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ - والحمو أخو الزوج أو عمه أو خاله؛ أو ما أشبه ذلك - قال: "الحمو الموت" (^١)، ومعلوم أن الحمو يحتاج إلى الدخول إلى بيت أخيه، لا سيما إذا كانوا في بيت واحد، فلو كان إرضاع الكبير مؤثرًا لقال: الحمو ترضعه زوجة قريبه؛ ليزول الحرج، فلما لم يقل ذلك، علم أن مطلق الحاجة لا يؤثر في ثبوت حكم الرضاع في الكبير، وأنه لا بد أن تكون حاجة خاصة نمشي فيها على كل ما حصل في قضية سالم مولى أبي حذيفة.
وإذا اعتبرنا ذلك صارت هذه الحالة الآن غير موجودة، وبهذا تسلم الأدلة من التعارض، ويحصل الجمع بينها.
مسألة: هل لا بد من مباشرة الإرضاع، بحيث لو صب اللبن في إناء وشربه الطفل فإنه لا يؤثر، أم ليس ذلك بلازم؟
نقول: ليس من الشرط أن يلتقم الثدي، بل لو صب في إناء وشربه، وفرق له ذلك خمس مرات، ثبت الحكم؛ لأن المعنى موجود في هذا كما هو موجود في التقام الثدي، هذا من حيث تغذي الطفل باللبن، لكن يفقد منها الحنان، والمحبة، فإن الرضيع إذا كان يلتقم الثدي حصل من حنان المرضعة ومحبتها له
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم والدخول على النساء (٥٢٣٢)؛ ورواه مسلم، كتاب السلام، باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها (٢١٧٢) عن عقبة بن عامر.
[ ١ / ١٩٢ ]
ما لم يحصل فيما لو صب لبنها في إناء وأسقي الطفل، فهل هذا معتبر؟ وأن الشرع لاحظ التحريم بالرضاع؛ لأنه يحصل من المرضعة مثل ما يحصل من أم النسب من المحبة والحنو، ولذلك صارت هذه العلاقة مؤثرة، أو أن المقصود تغذي الطفل باللبن؟ هذا هو موضع الخلاف، لكن الظاهر العموم، وهو أنه لا فرق بين أن يرضعه من ثدي المرضعة، أو أن يصب له في إناء ويشرب؛ لأن الجسم يتغذى بهذا، والله أعلم.
٦ - أن لبن الفحل محرم؛ أي: أن الأخت من الأب من الرضاعة حرام؛ لعموم قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وهذا - والله أعلم - من فائدة ذكر الأخوات دون البنات من الرضاعة، فإن البنات من الرضاعة لم يذكرن، وكذلك العمات لم يذكرن؛ لأن الأخوات تغني عن العمات؛ لأنهن حواشي، وهن أقرب الحواشي إلى الإنسان.
إذًا: يستفاد من هذه الآية أن الأخوات من الأب، أو الأخوات من الأم، أو الأخوات من أم وأب من الرضاع كلهن حرام.
٨ - أن أم الزوجة حرام بدون شرط، لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، فبمجرد العقد على المرأة عقدًا صحيحًا تحرم أمها، وكذلك جداتها وإن علون.
٩ - أن أم المزني بها لا تحرم على الزاني، خلافًا لما ذهب إليه كثير من أهل العلم، لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، والمزني بها ليست من نساء الرجل، ولا يمكن قياسها على نسائه؛ لأن نساءه حللن له بعقد شرعي صحيح، والمزني بها لم
[ ١ / ١٩٣ ]
تحل له، فكيف يقاس السفاح على النكاح الصحيح؟ !
١٠ - بطلان قول من قال: إن اللواط بالذكر - والعياذ بالله - كعقد النكاح، وأن من لاط بذكر؛ حرمت عليه أمه كأم الزوجة، وهذا منكر من القول؛ إذ كيف تجعل هذه الفاحشة العظيمة بمنزلة النكاح الصحيح؟ ! فأم الملوط به حلال وليست حرامًا، لكن اللائط والزاني لا يحل أن يزوج من أي امرأة حتى يتوب.
١١ - تحريم الربيبة، لكن الله تعالى اشترط لتحريم الربيبة شرطين:
الشرط الأول: أن تكون في حجره، والشرط الثاني: أن يكون قد دخل بأمها، ولكن دلت الآية الكريمة على أن كونها في الحجر غير مقصود، إنما هو لبيان الواقع، وليس شرطًا للحكم، بدليل قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
١٢ - تحريم حلائل الأبناء من زوجات أو مملوكات، لقوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، لكن المملوكة لا تكون حليلة إلا بالوطء، ولذلك فلو أن شخصًا اشترى أمة ولم يطأها، ثم ملكها أبوه، فإنها تحل لأبيه، لكن لو عقد على امرأة ولم يطأها، ثم طلقها، فلا تحل لأبيه؛ لأن المملوكة لا تكون حليلة إلا بالوطء، وأما الزوجة فتكون حليلة بمجرد العقد الصحيح.
١٣ - أن حليلة ابن الرضاع لا تحرم، لقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾، وقد اختلف العلماء: هل هذا القيد مخرج لابن التبني أو لابن الرضاع؟ وقد ذكرنا أن الصواب: أنه مخرج لابن الرضاع، أما ابن التبني فليس ابنًا شرعيًا، فلا يحتاج إلى قيد لإخراجه.
[ ١ / ١٩٤ ]
١٤ - تحريم الجمع بين الأختين، لقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وعمومه يشمل الأختين من النسب، والأختين من الرضاع، فلا يجوز أن يجمع الإنسان بين أختين من الرضاع، ولا بين أختين من النسب.
مسألة: هل هذا الحكم شامل لملك اليمين أو خاص بعقد النكاح؟
اختلف في ذلك السلف، والصحيح أنه شامل لملك اليمين وعقد النكاح، وأن الإنسان إذا كان عنده مملوكتان أختان ووطئ إحداهما، فإن الأخرى محرمة عليه، حتى يحلَّ الموطوءة بإخراجها عن ملكه، كأن يبيعها مثلًا، أو يزوجها بعد الإستبراء، أما ما دامت عنده وقد وطئها، فإنه لا يحل له أن يطأ الأخرى.
وبالنسبة للنكاح، لا يشترط لتحريم الأخت أن يطأ التي عنده، بل تحرم الأخت بمجرد العقد، ولهذا يجوز أن يجمع بين الأختين في ملك اليمين بعقد بيع أو غيره، ولا يجوز أن يجمع بينهما بعقد نكاح، والفرق: أن ملك اليمين يراد للوطء ولغيره، والنكاح إنما هو للوطء، فصار الحكم ثابتًا بمجرد العقد للنكاح، أما في الإماء فبالوطء.
١٥ - أن ما سلف من الذنوب قبل الشرع فلا يؤاخذ به، لقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وكذلك ما حصل من الذنوب بعد الشرع قبل علم الفاعل فإنه لا يؤاخذ به، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولكن إذا كان مفرطًا في ترك السؤال؛ فترك واجبًا من أجل هذا التفريط، فإنه يلزمه قضاؤه.
[ ١ / ١٩٥ ]