١ - أن النساء المسبيات يكن رقائق بمجرد السبي، وعليه عمل المسلمين، فإن سبيت مع زوجها؛ فإنها تبقى معه، ولكن بدونه تكون رقيقة.
٢ - أنه ينفسخ نكاحها من زوجها؛ لأن المسلمين قد ملكوها.
فإن قال قائل: وهل يقاس على ذلك ما لو انتقل ملكها وهِي مع زوج أن تطلق بهذا الإنتقال؟
فالجواب: في هذا قولان للعلماء: الأول: أن بيع الأمة طلاقها، والثاني: لا تطلق، بل تبقى على زواجها، ويكون للمشتري إذا لم يعلم بأنها مزوجة الخيار؛ لأنه يفوت عليه الإستمتاع بها، وهذا هو القول الصحيح: ودليله أن بريرة لما أُعتقت؛ خيرها النبي - ﷺ - بين أن تبقى مع زوجها، أو أن تفسخ النكاح، ولو كان البيع سببًا للطلاق أو الإنفساخ لانفسخ بدون تخيير؛ إذن لا يصح أن يقاس بيع الأمة على سبيها، وإن كان قد انتقل ملكها.
٣ - إثبات الرق، لقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين، ولا يمكن لأحد الإنكار؛ لأنه في القرآن، وفي السنة، وبإجماع المسلمين.
ولكن نقول: لا يجوز أن يسترق الإنسان لأي سبب، بل
[ ١ / ٢٠٥ ]
لا بد من سبب شرعي، وعلى هذا فكثير من الأرقاء الذين كانوا يوجدون لا حقيقة لرقهم؛ لأن أهلهم كانوا يبيعونهم لحاجة ولغير حاجة، فيشتريهم المشتري ويسترقهم، وهذا ليس سببًا شرعيًا للرق، لكن إذا ثبت السبب الشرعي ثبت المسبب وثبت الرق، ولا يجوز إلغاؤه بأي حال من الأحوال لأنه حكم شرعي.
ولو قال قائل: هؤلاء الأرقاء الموجودون استرقوا بغير سبب شرعي. فنلغي الرق هنا لأجل بطلان سببه، ولكن يجب أن لا يكون التعبير: إلغاء الرق؛ لأن هذا مصادمة للنص والإجماع، ولكن يقال: الرق الموجود الآن ليس على سبب شرعي، فلا يجوز اعتماده.
٤ - صحة إطلاق البعض على الكل، لقوله: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾؛ لأن "أيمان" جمع "يمين" وهي اليد، والملك في الحقيقة ملك للإنسان كله، لكن عبر باليمين؛ لأن الغالب أن الأخذ والإعطاء يكون بها.
٥ - وجوب التزام ما فرض الله علينا، لقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، وكتاب الله سبحانه ينقسم إلى قسمين: كتاب شرعي؛ كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وكتاب كوني؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾ [النبأ: ٢٩] أي: الكتاب القدري، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
٦ - أن المحللات من النساء أكثر من المحرمات، ويؤخذ من قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ووجه ذلك: أنه حصر المحرمات وعمم في المحللات.
[ ١ / ٢٠٦ ]
٧ - أن من ادعى تحريم امرأة فعليه الدليل؛ فلو خطب إنسان امرأة فقال له بعض الناس: إن هذه المرأة من المحرمات عليك، فلا بد أن يقيم دليلًا على ذلك؛ لأن المحرمات محصورات، والمحللات الأمر فيهن مطلق.
٨ - أننا إذا شككنا في سبب التحريم فالأصل عدم التحريم؛ أي: أن الأصل الحل، ومن أمثلة ذلك: لو شككنا في رضيع: هل رضع خمس مرات أو أربع مرات؟ فالأصل أربع، ولو كانت هذه المرأة قد رضعت من أم الرجل، وشككنا: هل رضعت خمسًا أم أربعًا؟ فالأصل الحل، وأنها لا تحرم عليه حتى يثبت سبب التحريم.
٩ - أن رحمة الله أوسع وأسبق من غضبه، أما كونها أسبق؛ فللحديث الصحيح: "إن رحمتي سبقت غضبي" (^١)، وأما كونها أوسع؛ فلأن ما أحل الله لعباده أكثر مما حرم عليهم.
١٠ - وجوب بذل المال في النكاح، وأنه لا نكاح إلا بمال، لقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، وعلى هذا فلا بد في النكاح من مال، وفي هذا ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يشترط معينًا، فيقال: المهر ألف ريال، وهذا جائز ولا إشكال فيه.
الحالة الثانية: أن يشترط عدمه، فيقول: زوجتك بنتي، فيقبل الزوج ويقول: بشرط أن لا مهر، فيزوجه بشرط أن لا مهر، ففي هذا للعلماء قولان:
_________________
(١) تقدم ص ١٧١.
[ ١ / ٢٠٧ ]
القول الأول: أن النكاح صحيح، ولها مهر المثل؛ وهذا هو المذهب.
القول الثاني: أن النكاح غير صحيح؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه يقول: لأن الله اشترط للحل أن يكون ذلك بالمال، وإذا شرط عدمه؛ انتفى المشروط وهو الحل. وقول شيخ الإسلام ﵀ قول قوي، ولعل نكاح الشغار مأخذه من هنا، أنه ليس فيه مال، وإذا ذكر فيه المال فإنه مذكور وغير مقصود.
الحالة الثالثة: أن يُسكت عنه، فلا يشترط ويعين، ولا يشترط عدمه، فيقول: زوجتك بنتي، فيقول: قبلت، ففي هذه الحال النكاح صحيح، ولها مهر المثل، كما جاء في القرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، هذا إن طلقت قبل الدخول، فإن طلقت بعد الدخول؛ فلها مهر المثل، كما صح ذلك في حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - (^١).
١١ - أن الطالب للنكاح هو الزوج، لقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾، فهل يمكن أن تطلب الزوجة النكاح؟ نقول: يمكن للمرأة أن تخطب نفسها إلى شخص، فقد وهبت امرأة نفسها للنبي - ﷺ -، وهذا عمر - ﵁ - عرض ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ﵄، فلا بأس في ذلك، لكن الغالب أن الطالب هو الزوج.
١٢ - أن المهر إذا كان مغصوبًا فإنه لا يعتد به، ويؤخذ ذلك من قوله: ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾، فهو مال، لكنه ليس له، والله أضاف المال إليه.
_________________
(١) انظر: تفسير اللباب لابن عادل (٣/ ١٦٩) قال ابن مسعود: "لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة، ولها الميراث".
[ ١ / ٢٠٨ ]
١٣ - أنه لو كان المهر خمرًا، فإنه لا يصح؛ لأنه ليس بمال.
١٤ - جواز جعل المنفعة مهرًا، وتؤخذ من قوله: ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾ إذا جعلنا المال يشمل العين والمنفعة، أو من قوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾، فنقول: إن الله سماه أجرًا، والأجرة تكون على المنافع والأعيان، إذًا: المهر يصح أن يكون منفعة، فإن عادت المنفعة إلى الزوجة فالأمر ظاهر، وإن عادت إلى غيرها بإذنها فلا بأس، كما في قصة موسى مع صاحب مدين؛ لأن المهر أن يرعى غنمه ثمان سنوات، فالمنفعة لوالدها، لكن برضاها، فإذا رضيت فالحق لها، وإلا فالمهر للمرأة.
وهل يصح أن يجعل الزوج مهرها خدمته لها؟ كأن: يغسل ثوبها، ويفرش فراشها، ويقدم لها السجاد لتصلي عليها؟
في ذلك خلاف بين العلماء، فقال بعضهم: يصح لأن في هذا منفعة، وقال بعض العلماء: لا يصح ذلك؛ نظرًا إلى أن استخدامها إياه نوع من الإذلال، وعكس ما يريد الشرع من كون الرجال قوامين على النساء، فإن الرسول - ﷺ - قال: "إن النساء عوان" (^١) أي مثل الأسرى، ولكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس، كأن لا يجد امرأة يتزوجها إلا بهذه الحال، أما لو جعلت المهر رعي غنمها، وإصلاح بستانها مما لا يكون خدمة مباشرة، فهذا لا شك في جوازه.
١٥ - تحريم المتعة، لقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾،
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها (١١٦٣) بلفظ: "ألا واستوصوا بالنساء خيرًا فإنما هن عوان عندكم "؛ ورواه ابن ماجه، كتاب النكاح، باب حق المرأة على الزوج (١٨٥١)، ورواه أحمد في مسنده (٢٠١٧٢).
[ ١ / ٢٠٩ ]
وصاحب المتعة لا يريد الإحصان، بل إنه يريد السفاح؛ لأن من أراد الإحصان فإن الإحصان لا يحصل إلا بالملازمة، أما أن يبقى عندها يومين أو ثلاثة أو أسبوعًا، فهذا لا يحصل به الإحصان، بل لا يزيد الأمر إلا شدة؛ لأن كون الإنسان قد كف نفسه وأيس، فإنه ربما يتحصن بعض الشيء، لكن إذا استمتع مدة يومين أو ثلاثة فإنه يزداد شبقًا، وبهذا لن يحصل الإحصان، والله سبحانه اشترط أن يكون محصنًا، وزواج المتعة إنما هو للسفاح فقط؛ أي: لسفح هذا الماء الذي ضيق عليه، ولذلك فلا يثبت به شيء من أحكام النكاح، فليس فيه طلاق، ولا نسب، ولا عدة، ولا إحصان، فكل أحكام النكاح لا تترتب عليه، حتى عند القائلين بجوازه، لا يترتب عليه شيء من أحكام النكاح، فدل هذا على أنه سفاح.
وقد دلت السنة على أنه حرام، فعن سبرة بن معبد الجهني - ﵁ - أن الرسول ﵊ قال في غزوة الفتح عن المتعة: "ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة" (^١)، وهذا التحريم خبر مؤبد، فهي حرام إلى يوم القيامة، وإنما قلنا: إنه خبر مؤبد؛ لئلا يدعي مدعٍ أنه نسخ؛ لأن جعل غايته يوم القيامة معناه أن نسخه غير ممكن، ولو أمكن نسخه؛ لأمكن تكذيب الرسول ﵊، وهذا مستحيل.
وقد أجاز بعض العلماء المتعة للضرورة، فقال: إذا خاف الإنسان على نفسه الزنا، لكونه شديد الشهوة، ولكون الزنا متيسرًا - كما يوجد في بلاد الكفر -؛ فلا حرج أن يتمتع، ويروى هذا
_________________
(١) هذه الرواية لمسلم، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه إلى يوم القيامة، حديث رقم (١٤٠٦) من حديث سبرة الجهني.
[ ١ / ٢١٠ ]
عن ابن عباس ﵄، فقد قال: "إنه كالميتة"، فإذا اضطر الإنسان إليه؛ فعله، وإلا فلا، وحجته: أن فيه ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وهو الزنا، الذي يشعر الإنسان بأنه تيس وجد عنزًا في الطريق فأقرعها ومشى، هذا هو الزنا، لكن المتعة فيها نوع من الإرتباط بين الرجل والمرأة، وهو ارتباط إلى المدة التي اتفقا عليها، ففيها شيء من العلاقة التي لا يشركه فيها أحد، لكن الزنا على خلاف ذلك.
ولكن القول الراجح: أنها لا تحل مطلقًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]، وقد أنكر عبد الله بن الزبير ﵄ على ابن عباس ﵄ إنكارًا عظيمًا في هذه المسألة، ومحل إنكار هذا القول؛ أن النبي - ﷺ - عمم فقال: "حرام إلى يوم القيامة" (^١)، وأطلق، ولأن حقيقة المتعة استئجار المرأة ليزني بها لمدة معينة، فإذا تمت المدة خرجت من الباب الذي دخلت منه، ولا تعتد، ولا يترتب على ذلك شيء أبدًا، وهل الزنا إلا هذا؟ ! أما الضرورة فقد جعل الشارع لها حلًا، فقال ﵊: " .. ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (^٢)، وأما ارتكاب أدنى المفسدتين فيقال: هذه مفسدة مثل الأولى - أي: مثل الزنا - ولا فرق بينهما، والعلاقة الحاصلة - كما لو اتفق مع امرأة ليزني بها ليالي معينة - إنما هي علاقة يسيرة منقطعة في هذه الليالي، فالصواب التحريم مطلقًا، وقد سبق أن علماء
_________________
(١) تقدم ص ٢١٠.
(٢) تقدم ص ٢٠٣.
[ ١ / ٢١١ ]
السنة كلهم يقولون بتحريمها، لكن خالف في ذلك الرافضة، وإنك لتعجب أن يخالفوا في ذلك، ومن يزعمون أنه إمامهم يقول بتحريمها ويعلن ذلك! لكن هذا ليس بغريب على من يتبع هواه، فهذا علي بن أبي طالب - ﵁ - هو من جملة من روى المسح على الخفين، ومع ذلك فإن الرافضة لا يقولون بالمسح على الخفين، وعلي بن أبي طالب - ﵁ - هو من جملة من روى تحريم المتعة، وهم لا يقولون بالتحريم، وعلي - ﵁ - يقول ويعلن على منبر الكوفة بأن خير هذه الأمة أبو بكر وعمر، وهم يقولون: ليسا خير هذه الأمة، بل بعضهم يقول: إنهما ماتا على النفاق، وبعضهم يقول: إنهما كافرين، وما أشبه ذلك.
ومما يدل على أن مبنى عقيدتهم ليس على هدى - ولكنه على هوى -: أنهم لو كانوا يتشيعون لآل البيت حقيقة؛ لما صاروا إلى مخالفة علي - ﵁ - الذي هو أفضل آل البيت.
إذًا: المتعة حرام، ولكن هل من المتعة أن يتزوج الإنسان بنية الطلاق إلى مدة معينة؟ النكاح بنية الطلاق ليس متعة؛ لأنه ليس فيه شرط، لكن فيه محذور، وهو الغش للزوجة وأهلها؛ لأن الزوجة وأهلها لو علموا أن هذا الرجل يريد أن يطلقها إذا سافر مثلًا، أو إذا طهرت امرأته من النفاس؛ فلن يزوجوه، وقد وجدت للشيخ محمد رشيد رضا كلامًا يؤيد هذا، ويقول: إن فيه مثلبة على المسلمين، فيعرف الناس عنهم أنهم متلاعبون في أنكحتهم، ثم إن فيه سدًا لباب التزويج؛ لأن كل إنسان يعرف أن هؤلاء يتزوجونهن ثم يطلقونهن عند السفر، فإنه لا يثق بهم، ولا يأمن أن يفعل مثلما فعلوا، وحينئذ فيكون فيه سد لباب التزويج، ولهذا
[ ١ / ٢١٢ ]
ينبغي لنا إذا لاحت لنا مصلحة أن لا نتعجل في الأخذ بها حتى نرى ما يترتب عليها، فقد يترتب عليها من المفاسد ما هو أعظم من المصلحة.
والذين قالوا بالجواز، يقولون: لأن كل إنسان إذا لم تتلاءم معه زوجته فإنه يطلقها، ولكن نقول: هناك فرق بين شخص لم يدخل إلا على أنه سيطلق في يوم معين، وبين شخص آخر دخل على أنها زوجته، ولكنه وجد عارضًا يمنع الإستمرار في الزوجية، وهذا فرق عظيم.
ثم إننا نقول: ألستم تقولون: إن الرجل إذا تزوج المرأة بنية التحليل للزوج الأول - لا بشرط التحليل - فإن النكاح فاسد، فهذا مثله، لأن هذا نوى أن يطلق بعد زمن معين، وذاك نوى أن يطلق بعد زمن معين، والأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فإذا قالوا: إن هذا يمكن أن يرغب ويبقى، قلنا: والمحلل يمكن أن يرغب ويبقى.
فعلى كل حال: أنا أرى أنه لا يجوز للإنسان أن يتزوج بنية الطلاق إذا سافر.
لكن هل يصح النكاح أم لا يصح؟
المذهب عند الحنابلة أن النكاح غير صحيح؛ لأن نية المتعة كشرطها، كما أن نية التحليل كشرطه، والمخرج أن لا يفعل، وهناك الآن شيء أخف من هذا كله، وهو: أن هناك عقاقير تخفف الشهوة، ولا تقضي عليها؛ لأن الذي يقضي عليها لا يجوز، وهناك أمر آخر، وهو الإستمناء مثلًا؛ فإن الإستمناء أهون من المتعة ومن الزواج بنية الطلاق للضرورة.
[ ١ / ٢١٣ ]
١٦ - أن المهر يثبت باستمتاع الزوج بزوجته، لقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وعلى هذا فيثبت المهر بالجماع وبالإستمتاع بالمرأة استمتاعًا لا يكون إلا من الزوج مع زوجته؛ كالتقبيل والضم ونحو ذلك، ويثبت أيضًا بالخلوة، كما جاء ذلك عن الخلفاء الراشدين.
١٧ - تسمية المهر أجرًا، ووجهه: أنه عوض في مقابل منفعة، لا في مقابل عين، فلو كان في مقابل عين لسمي بيعًا، لكنه في مقابل المنفعة، وهو استمتاع الزوج بالزوجة، فصار مثل الإجارة.
١٨ - أن المهر لازم كلزوم الأجرة على المستأجر، ولكن إذا سمح من له الحق فإنه يسقط، لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
وقد سمى الله ﷿ المهر أجرًا، لا لأن الزوج يعامل زوجته وهو يشعر أنها كالأجير، بل إن معاشرة الزوج لزوجته ومعاملته لها أسمى من ذلك وأعلى؛ لأنه إذا شعر بأنها كأجير استأجرها ليستمتع بها؛ لم يحصل مقصود النكاح، وهو: المودة والرحمة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، ولأنه لو شعر هذا الشعور، لغضب عليها حينما تمتنع منه لسبب أو لغير سبب، وربما طلقها، لكن إذا شعر بأن الأمر أعلى وأسمى من ذلك فإنه سيقدر الحياة الزوجية قدرها.
نعم، إن المهر أجر؛ لأنه في مقابل منفعة، ولكن الذي سيق إليه المهر ليس كالأجير، فالعوض - وإن سمي أجرًا - لكن المعوض له ليس كالأجير.
[ ١ / ٢١٤ ]
١٩ - وجوب إيتاء النساء مهورهن، لقوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ أي: مفروض عليكم أن تؤتوهن أجورهن.
٢٠ - أنه إذا تراضى الزوج والزوجة على زيادة أو نقص أو إسقاط، فلا حرج؛ لقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.
٢١ - نأخذ من ذلك قاعدة مهمة وهي: "أن ما أوجبه الله ﷿ لحق الإنسان وأسقط حقه، فلا إثم على من لم يقم به" فإذا أوجب الله علينا حقًا لإنسان وأسقط حقه، فلا إثم علينا إذا لم نقم به، وهذه القاعدة لها فروع كثيرة:
منها: إجابة دعوة الوليمة، فهي واجبة لحق الزوج، فإذا أسقطها فلا إثم على المدعو إذا لم يجب؛ لأن الحق له، والشيء الذي أوجبه الله من باب الحقوق على الناس بعضهم لبعض إذا أسقطه من له الحق سقط.
ومنها: أن من سب الرسول - ﷺ - وجب قتله ولو تاب، ومن سب الله فإنه إذا تاب لا يقتل، مع أن سب الله أعظم، لكن الله أخبرنا عن نفسه أن من تاب إليه تاب عليه، ولكن حق الرسول ﵊ لا نعلم أنه أسقطه، فإنه حق آدمي، فيقتل لحق الرسول - ﷺ - مع قبول توبته، فإذا قتلناه غسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه مع المسلمين؛ لأنه تاب، لكن القتل لا بد منه.
٢٢ - إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: العليم والحكيم، وقد سبق تفسيرهما.
* * *
[ ١ / ٢١٥ ]