١ - إثبات الإرادة لله، لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، وهل هذه الإرادة أزلية أو هي حادثة؟
نقول: الإرادة نوعان: إرادة أزلية، وإرادة حادثة، فالإرادة المقارنة للفعل إرادة حادثة، والإرادة السابقة إرادة أزلية، ويظهر هذا بالمثال، أنت الآن تريد أن تصلي العشاء، فهذه إرادة سابقة على الفعل، فإذا أذن قمت إلى الصلاة فصليت، فهذه إرادة مقارنة للفعل، فإرادة الله المقارنة لفعله حادثة، وإرادته الأزلية السابقة لفعله غير حادثة، وهو مريد سبحانه لكل ما سيكون، وهذه إرادة أزلية.
٢ - سعة رحمة الله ﷿ بعباده حيث أراد أن يبين لهم؛ لأن من لطفه وكرمه أن لا يدع الناس على جهلهم.
٣ - أنه ليس في الشرع شيء مجهول لكل أحد، لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، فالشرع لا يمكن أن يكون خفيًا على كل
[ ١ / ٢٤٠ ]
أحد، لكنه يخفى على الإنسان لأسباب: إما قلة العلم، وإما قصور الفهم، وإما التقصير في الطلب، وإما سوء القصد، فهذه أربعة أسباب لخفاء الحكم الشرعي على الإنسان.
فقلة العلم، مثل أن يوجد إنسان لم يراجع ولم يطالع ولم يستوعب كتب العلماء، فهذا تخفى عليه الأحكام الشرعية لقلة علمه.
أو قصور فهمه: يكون عنده علم واسع، لكنه لا يفهم، فهذا أيضًا يفوته كثير من الأحكام الشرعية.
أو لتقصيره في الطلب: إنسان مقصر، عنده علم وعنده فهم، لكن لا يحرص على أن يحقق المسائل وينقحها ويحررها، فيفوته شيء كثير.
أو سوء القصد: بحيث لا يريد إلا نصر رأيه فقط، فهذا والعياذ بالله يحرم الخير، ويحرم الصواب.
وما دواء هذه العلل والآفات؟
الأول: وهو قلة العلم: دواؤه كثرة العلم، بأن يراجع الإنسان ويطالع كتب العلماء وكتب الحديث والتفسير.
الثاني: قصور الفهم: وهذا مشكل؛ لأنه غريزة، لكن بالتمرن يحصل المرء على قوة الفهم، وأضرب مثلًا: لو أن الإنسان راجع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فأول ما يراجعها يقول: هذه فيها ردم يأجوج ومأجوج فلا يمكن فهمها، لكن مع التمرن عليها يفهمها.
إذًا: الفهم يحتاج إلى تمرين، ومن تمارين الفهم المناقشة مع الناس؛ لأنه كثيرًا ما يغيب عنك شيء من العلم، وبالمناقشة يتبين لك الشيء الكثير.
[ ١ / ٢٤١ ]
الثالث: التقصير في الطلب: دواؤه الجد والإجتهاد، فاجتهد ولا تتوان.
ثم التقصير في الطلب ليس معناه قلة الطلب، بل يشمل عدم الترتيب في الطلب، وهذا أيضًا يضر بالإنسان فينقص علمه، فبعض الناس مثلًا إذا أراد أن يراجع مسألة في الكتب الكبيرة صار يستعرض الفهرس، فيجد بحثًا ثم يبحث فيه، وينسى الحاجة الأولى، وهذا خطأ، وهو الذي يقطع الأوقات عليك تقطيعًا، فما دمت تريد تحقيق مسألة فأغمض عينيك عما سواها، وإلا فستكون كالذي يلقط الجراد من أرض جرداء فلا تحصل شيئًا.
افرض أنك تريد أن تطالع مسألة في الطهارة، وأنت تراجع الفهرس مرت عليك مسألة غير التي تريد أن تراجع، فتقول هذا مبحث طيب فأرى ما يقول المؤلف، فيضيع عليك الوقت، فهذا من التقصير في الطلب، فليس هو تقصيرًا كميًا؛ لكنه تقصير كيفي.
الرابع: سوء القصد: وسوء القصد يحتاج إلى إخلاص لله ﷿، فإذا قصد الإنسان حفظ الشريعة، ونفع الخلق، وأن يرث الأنبياء، سهل عليه حسن القصد؛ لأنه إذا علم أن الإنسان إذا طلب العلم لغير الله فإنه يحرم الخير، وعليه الوعيد، وأن الله ينزع منه بركة العلم؛ حرص على أن يكون قصده حسنًا.
فهذه الأمور الأربعة هي التي يحرم الإنسان بسببها تبين الأحكام الشرعية، وإلا فالله ﷿ تكفل فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾.
[ ١ / ٢٤٢ ]
٤ - كمال هذه الأمة وشريعتها، لقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فما من خير كانت عليه الأمم إلا ولهذه الأمة منه نصيب، وقد مثل النبي ﵊ نفسه مع الأنبياء قبل بقصر مشيد، يعجب الناظرين، إلا أنهم إذا طافوا به قالوا: هذا القصر كامل إلا موضع هذه اللبنة، قال: "فأنا اللبنة، وأنا خاتم الأنبياء" (^١)، تمم الله به مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، فكمل القصر - به ﵊ -.
ويدل لذلك أيضًا قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] فقال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، إشادةً بهذه الأمة وأنها كملت فيها الفضائل التي لغيرها، وتسلية لها أيضًا؛ أي: لا تظنوا أن تكليفنا إياكم الصيام خاص بكم، بل لكم ولغيركم.
٥ - أن الله ﷿ يحب التوابين، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ويتفرع على هذا: غاية الكرم من الله ﷿، ووجهه: أن التوبة يعود نفعها علينا لا عليه، وهو يحبها لمصلحتنا، وقد ثبت عن النبي ﵊: "أن الله يفرح بتوبة عبده، كما يفرح الرجل الذي أضل ناقته في أرض فلاة، فطلبها فلم يجدها، فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت قد أيس من الحياة فإذا بخطام ناقته فأخذ به
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين - ﷺ -، حديث رقم (٣٣٤٢)؛ ومسلم، كتاب الفضائل، باب ذكر كونه - ﷺ - خاتم النبيين، حديث رقم (٢٢٨٦) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٢٤٣ ]