١ - العناية بحفظ الأموال، وعدم العدوان، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، حديث رقم (٥٦٦٥)؛ ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، حديث رقم (٢٥٨٦) عن النعمان بن بشير.
[ ١ / ٢٥٤ ]
٢ - تحريم أخذ مال الإنسان بغير رضا منه، لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
٣ - تحريم التعامل المحرم ولو كان برضا من الطرفين؛ لأن التعامل المحرم أكل للمال بالباطل، وعلى هذا فلو تراضى الطرفان على تعامل ربوي فإن ذلك محرم.
٤ - أن من مقتضى الإيمان تجنب أكل المال بالباطل؛ لأنه وجه الخطاب إلى المؤمنين.
٥ - اشتراط الرضا في عقود المعاملات، لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
والرضا إذا كان سابقًا على العقد فلا إشكال في جواز العقد وصحته، ولكن إذا كان لاحقًا فهل ينفذ العقد أم لا؟ وذلك فيما يسمى عند أهل العلم بالتصرف الفضولي، مثاله: لو باع مال شخص بدون إذنه ورضاه، ولكن أذن فيما بعد ورضي؛ فهل يقع العقد السابق صحيحًا أو باطلًا؟
إذا نظرنا إلى عموم قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ قلنا: إنه يكون صحيحًا؛ لأن هذه التجارة صار مآلها إلى التراضي، وهذا القول هو الراجح؛ أي: أن تصرف الفضولي إذا أذن فيه صاحب المال فإنه جائز نافذ؛ وذلك لأن عموم قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ يدخل فيه هذه الصورة.
ولكن قال بعض أهل العلم: لا يصح مطلقًا، سواء أذن أو لم يأذن، وسواء تصرف في ذمته أو في عين المال، وسواء كان في الشراء أو في البيع.
وبعض العلماء فصّل وفرق بين الشراء وبين البيع فقال: إذا
[ ١ / ٢٥٥ ]
اشترى له في ذمته ولم يسمه في العقد ثم رضي فلا بأس، وإلا فلا.
ولكن القول الراجح، أنه متى رضي ولو بعد العقد، فإنه يقع العقد صحيحًا.
٦ - تحريم قتل الإنسان نفسه، لقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
وعلى التفسير الثاني:
٧ - أن المؤمنين كنفس واحدة، وأن قتل الإنسان غيره كقتل نفسه.
٨ - أن الله ﷿ أرحم بالإنسان من نفسه؛ لأنه نهاه أن يقتل نفسه، فصار أرحم به من نفسه.
٩ - إثبات صفة الرحمة لله، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، والرحمة عند السلف صفة حقيقية ثابتة لله ﷿، وأنكرها المعطلة إنكار تأويل لا إنكار تكذيب؛ أي: لم يقولوا إن الله ليس له رحمة، بل قالوا: إن المراد برحمته كذا وكذا، متعللين بأن الرحمة فيها شيء من الرقة واللين، والله ﷿ لا يوصف بهذا.
ويفسرون الرحمة بإرادة الإنعام والإحسان، أو بالإحسان، أما أن تكون هناك رحمة بها يريد الإحسان فيحسن، وهذا لا يجوز. ولا شك أنهم بذلك التفسير خالفوا ظاهر القرآن وإجماع السلف.
وقد يقول قائل: أين إجماع السلف؟
فنقول: إن القرآن نزل باللغة العربية، وفهموه على مقتضى
[ ١ / ٢٥٦ ]
اللغة العربية، فإذا أثبت الله لنفسه الرحمة أثبتوا له الرحمة لأن هذا هو الأصل.
ونقول لمن قال إنه لا إجماع: ائت بحرف واحد عن السلف أنهم يفسرون الرحمة بغير ظاهر القرآن، وهذه فائدة مهمة تندفع بها شبهة من شَبَّه ولَبَّس وقال: أين إجماع السلف؟
فنقول: كان القرآن بين أيديهم، ولم يفسروه بخلاف ظاهره، والأصل أنهم فهموه على ظاهره بمقتضى اللسان العربي.
ثم نقول لهم: أنتم تفسرونه بالإرادة فرارًا من مشابهة المخلوق بزعمكم، والمخلوق له إرادة، قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وفي الحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (^١)، ولا أحد يشك في أن المخلوق له إرادة.
فإذا قالوا: إرادة المخلوق تليق به وإرادة الخالق تليق به، قلنا لهم: ورحمة الخالق تليق به ورحمة المخلوق تليق به.
وكذلك إذا فسرتم الرحمة بالإنعام الذي هو مخلوق، أو بالنعمة التي هي مخلوقة. قلنا: النعمة لا تكون إلا بإرادة، والإرادة لا تكون إلا برحمة، فمن لم يرحم لم يرد النعمة ولم ينعم، وبهذا تبين بطلان تحريفهم، ونسميه تحريفًا لا تأويلًا على كل تقدير.
_________________
(١) رواه البخاري في أول الكتاب، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، حديث رقم (١)، وفي كتاب الإيمان، باب النية في الإيمان، حديث رقم (٦٣١١)؛ ومسلم في، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: (إنما الأعمال بالنيات)، حديث رقم (١٩٠٧) عن عمر بن الخطاب.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وتحريف القرآن والسنة فيما يتعلق بصفات الله، أعظم منه فيما يتعلق بالأحكام التكليفية المتعلقة بأفعال العبيد.
لأن الأول لا مجال للعقل فيه، فالواجب إجراؤه على ظاهره، أما الثاني فهي أحكام تكليفية للعقل فيها مجال بالقياس مثلًا، فيكون التحريف فيها أهون، وتجد هؤلاء المعطلة ينكرون أشد الإنكار على من حرف النصوص فيما يتعلق بفعل المكلف، ولا ينكرون على أنفسهم تحريف النصوص فيما يتعلق بصفات الرب ﷿.
١٠ - جواز التجارة والإتجار؛ لأن الله أقر ذلك في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾، وظاهر الآية العموم، وأن الإتجار جائز لذوي الجاه والشرف، وللسوقة من الناس، ولمن دونهم، فلا عيب على الإنسان أن يتجر ويطلب الرزق، ولهذا وجه الله الأمر للمؤمنين بالسعي إلى الجمعة عند ندائها، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة: ١٠]، فأمرنا بطلب الرزق بعد الإنصراف من الجمعة، وذكرنا أن لا ننسى ذكر الله، فقال: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ﴾ [الجمعة: ١٠].
على كل حال: التجارة جائزة ولا عيب على الإنسان فيها، ويذكر في التاريخ أن أبا بكر - ﵁ - لما ولي على المسلمين خليفة نزل إلى السوق يبيع ويشتري، فقالوا له: كيف تبيع وتشتري وأنت خليفة مسئول؟ قال: لا بد من ذلك، فضربوا له نصيبًا معينًا من بيت المال بقدر كفايته - ﵁ -.
والتجارة المذمومة هي ما صدت عن ذكر الله، ولهذا
[ ١ / ٢٥٨ ]