١ - أن ما نهي عنه ينقسم إلى كبائر وصغائر، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
٢ - تفاضل الناس في الإيمان، وجهه: أن الإيمان يزداد بزيادة العمل كمية أو كيفية أو نوعًا، وهنا قسم الله المعاصي إلى قسمين، وكلما كان الإنسان في معصية أشد كان إيمانه أنقص وأقل، فيؤخذ منه أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل السنة، بدليل الكتاب والسنة والواقع.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه، حديث رقم (٥٦٧٠).
(٢) رواه البخاري، كتاب الشهادات، باب اليمين بعد العصر، حديث رقم (٢٥٢٧)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية وتنفيق السلعة، حديث رقم (١٠٨) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٢٦٥ ]
قال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] وقال الله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وفي الآيتين دليل على النقص؛ لأنه لا تتصور زيادة إلا بما نقص دون عنها.
وفي السنة قال النبي - ﷺ -: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" (^١) - يعني النساء -.
وأما الواقع فظاهر، أن الأعمال عند أهل السنة من الإيمان والأعمال تتفاضل بالزيادة، فمن صلى عشر ركعات لا يساويه من صلى ست ركعات، وهذا ظاهر محسوس.
كذلك أيضًا في القلب: فالإيمان يزيد وينقص في القلب، دليل ذلك أن إبراهيم ﵇ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] أي: ليزيد ثباتًا وإيمانًا.
وأنت بنفسك تحس أن إيمانك بالشيء يزداد في القلب، فإذا جاءك مخبر بخبر وهو عندك ثقة آمنت بخبره، فإذا جاء آخر مثله وأخبرك بنفس الخبر ازداد إيمانك بلا شك، ولو أخبرك بعكسه ضعف إيمانك الأول الذي أخبرك به الثقة، وهذا الشيء مشاهد.
كذلك أيضًا بالنسبة لمراقبة الله ﷿، يجد الإنسان من نفسه أحيانًا أن قلبه حاضر بين يدي ربه، وأنه في أحلى ما يكون
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، حديث رقم (٢٩٨)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقصان الطاعات ، حديث رقم (٨٠) عن أبي سعيد.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وألذ ما يكون، وأنه قد ذاق طعم الإيمان، حتى يتمنى أنه لا يكون إلا في هذا السرور، ولا يريد لا دنيا ولا آخرة، فلا يرى أحسن ولا أطيب من الساعة التي هو فيها، سواء كان في صلاة، أو في قراءة قرآن، أو في تدبر سيرة النبي ﵊.
وأحيانًا تستولي عليه الغفلة، فيصلي بنفس القراءة التي قرأها بالأمس ولكن كأن قلبه حجر ما يلين، والوقت هو الوقت، والمكان هو المكان، والعمل هو العمل.
يصلي الإنسان في آخر الليل مثلًا، ليلة يجد لذة عظيمة في الصلاة، وهو يحس أنه قريب من الله ﷿، وليلة أخرى بالعكس فلا يذوق معنى من المعاني، فالإيمان بالأمس، أشد بكثير من الإيمان اليوم، حتى الصحابة قالوا: يا رسول الله! إذا كنا عندك وسمعنا - يعني: ما يقول - كأننا نرى رأي العين، ولكن إذا ذهبنا وعافسنا الأهل والأولاد نسينا، فقال: "لو كنتم على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة، ولكن ساعة وساعة" (^١).
إذًا: فالإيمان يزيد حسًا بلا شك، ولكن الطاعة لا شك أنها تزيد في الإيمان، بشرط أن تكون مصحوبة بعمل القلب، أما عمل الجوارح إذا لم يكن مصحوبًا بعمل القلب فإنه لا يزيد في الإيمان، وربما ينقص الإيمان والعياذ بالله؛ لأنه يصبح عبثًا، لكن إذا كانت أعمال الجوارح مصحوبة بعمل القلب، من الخوف والرغبة واحتساب الثواب، فإنه بلا شك يزداد قلبه بالطاعة، لهذا يجب النظر في هذه المسألة.
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة وجواز ترك ذلك، حديث رقم (٢٧٥٠) عن حنظلة.
[ ١ / ٢٦٧ ]
والذين قالوا إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: المرجئة، قالوا: لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأعمال الصالحة وغير الصالحة لا دخل لها في الإيمان، فالناس عندهم في الإيمان شيء واحد كالمشط، كما قال ابن القيم ﵀ في النونية:
والناس في الإيمان شيء واحد كالمشط عند تماثل الأسنان
فالناس عندهم سواء.
فالإيمان عندهم مجرد التصديق والإقرار، حتى الشيطان عندهم مؤمن؛ لأنه مصدق، ولهذا قال ابن القيم ﵀:
واسأل أبا الجن اللعين أتعرف الـ خلاق أم أصبحت ذا نكران
وأبو الجن اللعين يعرف الخلاق ويدعوه، يقول: رب أنظرني، ومع ذلك هو أكفر خلق الله.
الطائفة الثانية: الخوارج، وما أدراك ما الخوارج؟ أصحاب الأعمال الظاهرة وخراب القلوب الباطنة، الخوارج تقول: إذا فعل الإنسان كبيرة خرج من الإيمان، وأبيح دمه وماله؛ لأنه كافر مرتد، فعندهم أن الإيمان لا يزيد، فإما أن يوجد كله وإما أن يعدم كله، إن سلم الإنسان من الكبائر والإصرار على الصغائر وقام بالواجبات والمفروضات فمعه الإيمان كله، وإن أتى كبيرة واحدة انهدم الإيمان كله.
الطائفة الثالثة: المعتزلة، أشبهوا الخوارج من جهة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لكنهم لا يقولون بكفر فاعل الكبيرة، فهم يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فإما مؤمن كامل وإلا ليس بمؤمن ولا كافر.
[ ١ / ٢٦٨ ]
ففاعل الكبيرة عندهم ليس بمؤمنٍ ولا كافر؛ لأنهم نظروا بعين عوراء، فنظروا إلى أن معه أصل الإيمان فقالوا: ذهب عنه الإيمان بالكبيرة، ولكنه بقي معه أصل الإيمان، فلا نقول إنه كافر ولا نقول إنه مؤمن، بل نقول إنه في منزلة بين منزلتين.
والمنزلة ليس لها ذكر في القرآن والسنة، وهم الذين أحدثوها، قالوا: كما لو خرج رجل من مكة متجهًا إلى المدينة ووقف في أثناء الطريق، فليس من أهل مكة ولا المدينة، وهو في منزلة بين منزلتين، لكن اتفقوا مع الخوارج في أنه يكون مخلدًا في النار، فأحكامه في الآخرة كأحكامه عند الخوارج.
أما أهل السنة والجماعة - نسأل الله أن يثبتنا جميعًا على قولهم إلى الممات - فقالوا: الإيمان يزيد وينقص، والكفر درجات، والإنسان قد يكون معه خصال إيمان وخصال كفر، ولا يخرج فاعل الكبيرة من الإيمان، فلا نعطيه الإسم المطلق ولا نسلبه مطلق الإسم، بل نقول: معه إيمان ناقص، أو: هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهذا هو العدل والميزان، أن يوصف الإنسان بما يقتضيه عمله من إيمان أو كفر.
٣ - أن الصغائر تقع مكفرة باجتناب الكبائر؛ لقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؛ أي: فإن لم يجتنب الكبائر أخذ بالصغائر؛ لكن الكبائر والصغائر تحت المشيئة ما لم تكن كفرًا.
فالفائدة من قولهم يؤخذ بها أنه إذا اجتنب الكبائر جزمنا بأن الله كفر عنه الصغائر، وإذا لم يجتنب الكبائر فهو تحت المشيئة والخطر.
[ ١ / ٢٦٩ ]
٤ - إثبات عظمة الله ﷿ لقوله: ﴿نُكَفِّرْ﴾ ﴿وَنُدْخِلْكُمْ﴾؛ لأن النون هنا للتعظيم، وقد قال النصراني الخبيث إن هذا يدل على تعدد الآلهة؛ لأن الضمير هنا للجمع، فنحن أحق بالحق منكم أيها الموحدون. فنقول له: إن هذا من باب التعظيم، وأنت قد طبع الله على قلبك وغفلت عن قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
٥ - سعة فضل الله سبحانه، وذلك بتكفير السيئات باجتناب كبائر الذنوب، وإلا لو جازى الناس بالعدل لعاقبهم على الصغائر وعلى الكبائر كل منها بحسبه، فالكبائر عقوبتها شديدة والصغائر دون ذلك، ولكن من فضله ﷿ جعل الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر، وهذا من أثر قوله سبحانه كما في الحديث القدسي: "إن رحمتي سبقت غضبي" (^١).
٦ - أن من كفر الله عنه السيئات فهو من أهل الجنة لقوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
٧ - بيان أن الجنة هي أعلى ما يكون، بل هي من المداخل الكريمة، والكريم في كل شيء بحسبه، فكرائم الأموال أحاسنها، وكرائم المساكن أحاسنها، قال النبي - ﷺ - لمعاذ بن جبل - ﵁ -: "إياك وكرائم أموالهم" (^٢).
* * *
_________________
(١) تقدم ص ١٧١.
(٢) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء، وترد في الفقراء حيث كانوا، حديث رقم (١٤٢٥)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإِسلام، حديث رقم (١٩).
[ ١ / ٢٧٠ ]