١ - نهي الإنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره عليه، لقوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾، وهل النهي للتحريم؟
الجواب: نعم هو للتحريم؛ لأن هذا النوع من التمني هو الحسد بعينه؛ لأنه قال: ﴿مَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ ولم يقل: مثل ما فضل الله، ولو قال: ولا تتمنوا مثل. لكان في المسألة إشكال، وصار أول الآية يناقض آخرها في قوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، لكن المعنى: لا تتمنوا أن يكون ما فضل الله به الغير لكم ويُحرم إياه الغير، وعلى هذا فنقول: النهي هنا للتحريم، وهذا النوع هو الحسد.
ولكن ينبغي أن يعلم أن تمني ما أعطاه الله الغير ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
[ ١ / ٢٧٣ ]
القسم الأول: أن يتمنى زواله لغير أحد.
والثاني: أن يتمنى زواله لغيره، لغير المتمني.
والثالث: أن يتمنى زواله لنفسه.
والذي في الآية هنا في قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ﴾ هو الثالث بلا شك، وهو أن يتمنى ما أعطى الله غيره من الفضل، ولكن الأول والثاني معلومان من أدلة أخرى أنه يحرم على الإنسان أن يتمنى زوال نعمة الله على غيره، سواء تمنى أن تزول إلى شخص أو أن تزول مطلقًا، وهذا هو الحسد عند جمهور أهل العلم، وقال شيخ الإِسلام ﵀: إن الحسد كراهة ما أعطى الله هذا الرجل من فضله، سواء تمنى زواله أم لم يتمن زواله، فإذا كرهت ما ينعم الله به على غيرك فإذا هو الحسد.
٢ - حكمة الله سبحانه في العطاء والمنع، حيث يفضل بعضًا على بعض، ولا شك أن هذا صادر عن حكمة وليس مجرد اختيار، خلافًا لمن أنكر حكمة الله، وقال: إن فعله لمجرد الإختيار، بل هو لاختيار صادر عن حكمة.
٣ - إثبات أن الأحكام تدور مع عللها، لقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، فنصيب الرجال يليق بهم، ونصيب النساء يليق بهن.
٤ - جواز أن يتمنى الإنسان مثلما فضل الله به غيره عليه، وجهه قوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فنحن لا نقول لك: لا تتمن أن يعطيك الله مثلما أعطى فلانًا، بل نقول: لا بأس، ولكن لا تتمن ما أعطاه الله فلانًا، وبينهما فرق.
[ ١ / ٢٧٤ ]
٥ - الفرق بين الجنسين: الرجال والنساء، وقد قيل: إن الآية نزلت بسبب قول بعض النساء لما أنزل الله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فقال بعضهن: يا ليتني كنت ذكرًا حتى يكون لي مثل الذكر ولا أنقص عنه.
وسواء صح هذا السبب أم لم يصح، فإن الآية تدل أن بين الجنسين فرقًا، خلافًا لمن يحاول أن يجعل الجنسين على حكم واحد، بل يحاول أن يفضل النساء على الرجال.
٦ - سعة فضل الله ﷿ وكرمه، لقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فهو سبحانه لم يأمرنا بالسؤال إلا ليعطينا؛ لأنه لو أمرنا بالسؤال من غير أن يعطينا لكان هذا عبثًا لا فائدة منه، ولكنه ﷿ كريم، هو الذي يتعرض لعباده ويقول: اسألوني.
وينبغي في السؤال أن يكون على الأدب المطلوب:
أولًا: أن تسأل الله سبحانه سؤال مفتقر لا سؤال مستغن.
ثانيًا: أن تسأل الله سبحانه سؤال من يثق بربه أنه قادر، لا سؤال تجربة، بل سؤال من يثق بوعد الله وأنه قادر على الإعطاء يعطي السائل ما سأله.
ثالثًا: ينبغي أن يختار الإنسان الأزمان والأماكن والأحوال التي تكون سببًا في الإجابة.
مثال الأزمان: آخر الليل، وما بين الأذان والإقامة.
ومثال الأماكن: أن يكون في الأماكن الفاضلة، ومثال الأحوال: حال السجود، وحال السفر، وحال نزول المطر.
فينبغي أن يختار الإنسان ما يكون أقرب إلى الإجابة.
رابعًا: أن يكون مجتنبًا للحرام؛ لأن أكل الحرام حائل يمنع
[ ١ / ٢٧٥ ]
من قبول الدعاء؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين" فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسم حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" (^١) فقوله: "أنى" هذه استفهام استبعاد؛ أي: بعيد أن يستجاب لهذا الرجل.
خامسًا: أن لا يعتدي في الدعاء، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥]، فإن اعتدى في الدعاء بأن سأل ما لا يحل له، أو سأل ما يمتنع شرعًا أو قدرًا؛ فإنه لا يجاب.
فلو سأل إثمًا، بأن قال والعياذ بالله: اللهم يسر له امرأة يزني بها، أو كأس خمرٍ يشربه؛ فهذا لا يستجاب له؛ لأنه عدوان واستهزاء بالله ﷿، فهذا لا يحل شرعًا ولا يمكن قبوله لأنه محرمٌ وممتنع شرعًا.
والممتنع قدرًا مثل أن يقول: اللهم اجعلني نبيًا؛ لأن هذا ممتنعٌ قدرًا بخبر الله، لا لأنه مستحيل لذاته، فهو غير مستحيل، لكن بخبر الله صار مستحيلًا لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
كل هذه آداب ينبغي على الإنسان أن يراعيها في الدعاء.
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، حديث رقم (١٠١٥).
[ ١ / ٢٧٦ ]