١ - إثبات الجعل لله ﷿، وهذا من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته.
ثم إن الجعل الذي نسبه الله لنفسه ﷿ ينقسم إلى قسمين: جعل شرعي، وجعل كوني، فقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] هذا الجعل كوني، وكذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ
[ ١ / ٢٨٣ ]
لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ: ١٠ - ١١] وما أشبهها، كلها جعل كوني.
وقوله تعالى هنا: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ هذا جعل شرعي، وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، هذا جعل شرعي، ولا يصح أن يكون جعلًا كونيًا؛ لأنها موجودة في الواقع منفية في الآية، إذًا: ما جعلها شرعًا ولكن جعلها قدرًا.
والفرق بين الجعل الشرعي والجعل القدري كالفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، فالجعل الشرعي محبوب إلى الله، وقد يقع من العباد وقد لا يقع، والجعل الكوني لا يتعلق بما يحبه الله فقط، بل يكون فيما يحبه وفيما لا يحبه، وهو واقع ولا بد.
٢ - أن إثبات الإرث يكون بالنسب والسبب، بالنسب لقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وبالسبب لقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فإن هذا سببه فعل الإنسان؛ كالزوجية فإنها سبب وليست بنسب، والإرث بالعتق سبب وليس بنسب.
٣ - الإشارة إلى أن الأقرب مقدم على الأبعد في باب الميراث من قوله: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾.
٤ - كمال الشريعة الإِسلامية بإيجاب الوفاء بالعهود والعقود، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
٥ - وقوع النسخ في الشريعة؛ لأن هذه الآية منسوخة، إما نسخًا مطلقًا وإما نسخًا مقيدًا.
وقد اختلف علماء الملة في النسخ، فأكثر الأمة على أن
[ ١ / ٢٨٤ ]
النسخ ثابت في الشريعة، لقوله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، ولقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى آخرها، وقد كان قبل ذلك حرامًا، ولقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] وهذا صريح في النسخ، ويقول النبي - ﷺ -: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور. فزوروها" (^١).
وقال بعض العلماء ومنهم أبو مسلم الأصفهاني: لا نسخ في الشريعة، وحمل النسخ على التخصيص، وقال: إن مقتضى الحكم الأول استمراره إلى يوم القيامة، فإذا ألغي فهذا تخصيص في الزمن؛ أي: أنه بعد أن كان شاملًا للزمن كله صار خاصًا بالزمن الذي قبل النسخ.
ولكن هذا تكلف، وما الذي يجعلنا نفر من كلمة نسخ وهي موجودة بلفظها، وموجودة بمعناها في القرآن، وموجودة بمعناها في السنة أيضًا؟ !
وأنكر اليهود النسخ وقالوا: لا يمكن أن ينسخ الله حكمًا بحكم؛ لأنه إن كانت المصلحة في الحكم الثاني فلماذا كان الحكم الأول، وإن كانت المصلحة في الحكم الأول فلماذا كان الحكم الثاني، وإن كان في الأول قد خفيت الحكمة على الله، فإذا يستلزم وصف الله بالجهل، وإذا لم تخف فهذا يستلزم وصف الله بالسفه والعياذ بالله؛ لأنه فعل خلاف الحكمة.
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه ﷿ في زيارة قبر أمه، حديث رقم (٩٧٧) عن بريدة.
[ ١ / ٢٨٥ ]
فيقال لهم: المصلحة تختلف باختلاف الزمان والمكان والأمة، وإذا كان كذلك فالله ﷿ يثبت هذا الحكم ما دام فيه مصلحة للأمة، وينسخه إذا كان ليس بمصلحة، وهذا غاية الحكمة، وأنتم يا بني إسرائيل كان حلًا لكم اللحم، وبظلمكم حرم الله عليكم طيبات أحلت لكم، بعد أن كانت حلالًا، ثم إن شريعتكم ناسخة للشريعة التي قبلها، وإذا قلتم: لا نسخ، أبطلتم شريعتكم؛ لأنها تنسخ ما قبلها.
إذًا: في الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إثبات النسخ.
٦ - وجوب الوفاء بالعهد، لقوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾.
فإذا قال قائل: كيف نؤتيهم نصيبهم وهذه المعاقدة باطلة؟
قلنا: لم تبطل إلا بعد النسخ؛ أي: بعد نزول الآية، أما ما ثبت قبل ذلك فالواجب أن يؤتوا نصيبهم.
٧ - إثبات شهادة الله ﷿ على كل شيء، وأن كل شيء مهما بطن فإنه مشهود لله، ويترتب على ذلك: التحذير من مخالفة الله سبحانه؛ لأن الإنسان إذا علم بأن الله شاهد عليه أمسك عن كل ما يغضب الله وقام بما يجب لله.
وهذه الأسماء التي تختم بها الآيات ينبغي للإنسان ألا يكون جامدًا فيفهم منها المعنى فقط، بل ينبغي أن يتربى عليها، ويكون مسلكه على حسب ما تقتضيه هذه الأسماء، فمثلًا: إذا علمت أن الله علام الغيوب، ليس معناه أن تدرك بأن الله يعلم بكل شيء فقط، فهذا الإدراك يستوي فيه الكافر والمسلم، حتى الكفار الذين يعرفون اللغة العربية يعرفون مثل هذا اللفظ، لكن
[ ١ / ٢٨٦ ]