١ - وجوب عبادة الله، لقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾، والأمر هنا للوجوب بالإجماع، ولا أحد يمكن أن يقول إن هذا الأمر للإستحباب.
٢ - تحريم الشرك، لقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.
٣ - أن الشرك بأنواعه: صغيره وكبيره، خفيه وجليه، كله محرم، لقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ فهو عام، وعليه: يكون الرياء حرامًا؛ لأنه شرك، ويكون الحلف بغير الله حرامًا لأنه شرك، ويكون تسوية الله بغيره حرامًا بمثل: ما لي إلا الله وأنت، وما أشبه ذلك؛ لأنه شرك.
والعلماء ﵏ كتبوا في هذا الموضوع - أي: في الشرك وأنواعه - كتابات كثيرة، من أحسنها كتاب التوحيد لشيخ
[ ١ / ٣٠٨ ]
الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فإنه بيّن أنواعًا كثيرة من الشرك.
٤ - أن الإثبات المحض لا يدل على التوحيد، ويؤخذ ذلك من أنه لما أمر بالعبادة قال: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾، وذلك أن الإنسان قد يعبد الله لكن يعبد غيره، فنقول: إذا عبد مع الله غيره فإنه لم يخلص العبادة لله، والمطلوب إخلاص العبادة له.
٥ - وجوب الإحسان إلى الوالدين، لقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ولكن التعبير القرآني يقول: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ولم يقل: وإلى الوالدين؛ لأن المطلوب مباشرة الإنسان بالإحسان إلى والديه لا إيصال الإحسان فقط، ولو قال: إلى الوالدين إحسانًا كان المطلوب إيصال الإحسان فقط.
٦ - أن أعظم حقوق البشر حق الوالدين؛ لأن الله جعله في المرتبة الثانية بعد حقه، ولا يرد على هذا حق الرسول ﵊؛ لأن حق الرسول داخل في حق الله، ووجهه: أن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله - ﷺ -، وإذا تحققت متابعة الرسول فقد أديت حقه، والرسول لا يسألنا أجرًا إنما يسألنا أن نتعبد لله بما شرع.
٧ - تحريم الإساءة إلى الوالدين؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
٨ - أن من لم يحسن ولم يسئ فهو مقصر؛ لأن الله أمر بالإحسان، وخلاف الإحسان شيئان: إساءة وعدم إساءة وإحسان، وهذا خلاف ما أمرنا الله به.
٩ - الأمر بالإحسان إلى القرابة، لقوله ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾،
[ ١ / ٣٠٩ ]
وفائدة إعادة حرف الجر ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ الإشارة إلى أن الإحسان إلى القرابة مستقل، بمعنى أنه لو فرض أن الرجل ليس له والدان فحق القرابة ثابت، ولا نقول: إن حقهما مبني على حق الوالدين تابع له؛ لأن الوالدين قد يكونان ميتين، فحق القرابة باق.
١٠ - أن الأقرب فالأقرب أولى بالإحسان، ويؤخذ من أن الله قدم الوالدين وهما أقرب القرابات، فقياسًا على ذلك نقول: من كان أقرب من بقية القرابات فهو أحق، هذا وجه، والوجه الثاني: أن المعلق على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعف ذلك الوصف، والحكم هنا معلق على القرابة، فكل من كان أقرب كان حقه أوكد، فصارت الدلالة على أننا نقدم الأقرب فالأقرب من وجهين: الوجه الأول قياسي، والثاني معنوي.
١١ - الأمر بالإحسان إلى الأيتام، لقوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾، والإحسان إلى الأيتام يكون بالمال ويكون بالقول ويكون بالفعل.
١٢ - الأمر بالإحسان إلى المساكين، لقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، ونقول في المساكين كما قلنا في القربى بأن من كان أشد مسكنة كانت الوصية به أوكد؛ لأنه علق على وصف، أما اليتيم فلا يتنوع؛ لأن اليتم واحد، يعني أن من له أربع عشرة سنة ومن له سنة واحدة فهما سواء في اليتم.
١٣ - الأمر بالإحسان إلى الجار سواء كان قريبًا أم بعيدًا، لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم
[ ١ / ٣١٠ ]
جاره" (^١)، فعلق الرسول - ﷺ - كمال الإيمان على إكرام الجار، والإكرام ضد الإهانة.
١٤ - الأمر بالإحسان إلى الصاحب بالجنب: الزوجات والأصحاب في السفر، لقوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾.
ويمكن أن نقول ما قلنا فيما سبق في الأوصاف ولا شك، فالنساء - أعني: الزوجات - تختلف صحبتهن لأزواجهن، وكذلك المسافرون أصحاب السفر تختلف صحبته معك في السفر، فكل من كان أقوم بهذه الصحبة كان أحق بالإحسان.
١٥ - الأمر بالإحسان إلى ابن السبيل؛ لأن الغالب أنه يكون محتاجًا، وإذا قدر انتفاء حاجته بغناه فإنه يكون غريبًا في البلاد، والغريب يحتاج إلى عناية؛ فيحتاج إلى من يدله على الطريق، وإلى من يدله على ما فيه مصالحه، فهو في حاجة.
١٦ - الأمر بالإحسان إلى ما ملكت الأيمان، لقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: من آدمي أو حيوان؛ لأنه كله ملك لأيماننا.
١٧ - جواز التعبير بالبعض عن الكل، لقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والمراد ما ملكتم؛ لكن هذا شيء معلوم.
١٨ - تحريم الإساءة إلى من ذُكر، وجهه: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإذا كان الله تعالى أمر بالإحسان إلى هؤلاء
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فلا يؤذ جاره، حديث رقم (٥٦٧٣)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير ..، حديث رقم (٤٨) عن أبي شريح العدوي.
[ ١ / ٣١١ ]
فالإساءة إلى هؤلاء حرام، ومن أشد ما يكون الإساءة إلى الوالدين، ثم ذوي القربى، ثم اليتامى، ثم المساكين، ثم الجيران، وقد قال النبي - ﷺ -: "والذي نفسي بيده! لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه" (^١) يعني: ظلمه وغشمه، فنفى الإيمان عن الشخص الذي لا يأمن جاره بوائقه، فكيف بمن أصابته بوائق جاره فذلك يكون أشد، نسأل الله السلامة.
١٩ - عناية الله سبحانه بعباده، من وجوه في هذه الآية: أولًا: من جهة القيام بحق الوالدين والقرابات.
وثانيًا: من جهة جبر النقص الذي يحصل على بعض الناس مثل المساكين واليتامى.
وثالثًا: أن حسن الجوار سبب للإلتحام وللإلتئام بين الناس وعدم الكراهية والبغضاء، ولهذا يوجد في وقتنا أن كثيرًا من الجيران لا يعرف جاره ولا يدعوه في المناسبات، ولا يرسل إليه الهدايا، وقد قال النبي - ﷺ -: "إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك" (^٢)، وهذا مع الأسف غير موجود، مع أن فيه فائدة اجتماعية عظيمة، فهو من عناية الله بالخلق.
٢٠ - أن الله تعالى أرحم بالإنسان من أولاده، ويؤخذ من قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ حيث أمر الولد أن يحسن إلى والده، وهذا يدل على أن الله أرحم بالإنسان من أولاده، كما أن قول الله
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم إيذاء الجار (٤٦) عن أبي هريرة.
(٢) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب الوصية بالجار والإحسان إليه، حديث رقم (٢٦٢٥) عن أبي ذر.
[ ١ / ٣١٢ ]
تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] يدل على أن الله أرحم بالإنسان من والديه، وهذا هو الواقع.
كانت امرأة فقدت صبيًا لها في السبي، فجاءت إلى النبي - ﷺ - في المدينة تنظر في السبايا وقد زاغ عقلها، فلما وجدت صبيها أخذته وضمته إلى صدرها، فقال الرسول ﵊: "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ " قالوا: لا يا رسول الله! وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها" (^١)، ولا يصيبنا ما يصيبنا مما يخالف الرحمة إلا بأسباب ذنوبنا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
٢١ - إثبات المحبة لله، وتؤخذ من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
فإذا قال قائل: هذا نفي وليس بإثبات.
فالجواب: أن نقول: لو كانت المحبة منتفية ولا تجوز على الله لم يكن لنفيها فائدة هنا، وعلى هذا فإنها تدل على إثبات المحبة لله، ومذهب السلف وأهل السنة إثبات المحبة لله حقيقة، وأنه جل وعلا يحب، وأن محبته تتعلق بالأعمال، وتتعلق بالأشخاص، وتتعلق بالأزمنة، وتتعلق بالأمكنة، فقد سئل الوسول ﵊: "أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، حديث رقم (٥٦٥٣)؛ ومسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه، حديث (٢٧٥٤) عن عمر بن الخطاب.
[ ١ / ٣١٣ ]
على وقتها" (^١) وهذا تعليق المحبة بالأعمال.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] هذا تعليق لها بالأشخاص المعينين بالوصف، وتكون متعلقة بالأشخاص المعينين بالشخص كقول الرسول - ﷺ -: "إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا" (^٢)، والخلة أعلى أنواع المحبة، وتكون معلقة بالأماكن، "أحب البقاع إلى الله مساجدها" (^٣)، وربما تكون معلقة بالزمن، مثل قوله - ﷺ -: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" (^٤)، فإن كان الزمن محبوبًا إلى الله فيها فإن الله يحبها، وفي هذا الإستدلال ضعف، لكن على كل حال محبة الله ﷿ تكون مقيدة بما قيدها الله به، فهي ثابتة لله حقًا.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، حديث (٥٠٤)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، حديث (٨٥) عن ابن مسعود.
(٢) هذا اللفظ لمسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها، حديث رقم (٥٣٢) عن جندب.
(٣) هذا اللفظ رواه القضاعي في مسند الشهاب (٢/ ٢٥٣) (١٣٠١)، وهو عند مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح وفضل المساجد، حديث رقم (٦٧١)، بلفظ: "أحب البلاد إلى الله مساجدها" عن أبي هريرة.
(٤) هذا اللفظ عند أبي داود، كتاب الصيام، باب في صوم العشر، حديث رقم (٢٤٣٨)؛ والترمذي، كتاب الصوم، باب العمل في أيام العشر، حديث رقم (٧٥٧)، وأصل الحديث عند البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق، حديث رقم (٩٢٦) عن ابن عباس.
[ ١ / ٣١٤ ]
وأنكر المحبة المعطلة من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية ومن شابههم، وقالوا: لا يمكن أن الله يحب، والمحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، فيحب الرجل زوجته، ويحب ابنه، ويحب صديقه، ولا تناسب بين الخالق والمخلوق، فكيف يحب الله الشخص؟ كيف يحب الرسول؟ قالوا: والمراد بالمحبة في القرآن إرادة الثواب، أو الثواب نفسه.
ونقول لهم: إذا قلنا هي إرادة الثواب فإرادة الثواب لا تكون إلا على شيء محبوب، وهل يريد الله أن يثيب أحدًا وهو يكرهه؟ لا يمكن، إذًا: ما دمتم أثبتم الثواب فيلزمكم أن تثبتوا المحبة، إذ لا يمكن أن تكون إرادة الثواب أو الثواب نفسه إلا على شيء محبوب لله.
وأما قولكم: إن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، فقول باطل، فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: "أُحد جبل يحبنا ونحبه" (^١)، والجبل كومة من الأحجار والأتربة وغيرها، فهو جماد، ومع ذلك قال: "يحبنا ونحبه".
وكذلك أيضًا الحيوان يحبه الإنسان وهو يحب الإنسان، وكون الإنسان يحبه واضح، فكثيرًا ما تحب بعيرك على بعير غيرك، أو شاتك على شاة غيرك.
وهي تحبك أيضًا، وهذا مشاهد فالناقة تأتي إلى صاحبها من بين الناس، تأتي إليه وتستجديه، وقد شوهد في الإبل أن
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب أُحد يحبنا ونحبه، حديث رقم (٣٨٥٥)؛ ومسلم، كتاب الحج، باب أُحد جبل يحبنا ونحبه، حديث رقم (١٣٩٣) عن أنس بن مالك.
[ ١ / ٣١٥ ]