١ - أنه يجب على الإنسان الإحتياط إذا خاف الوقوع في المحرم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني: ولا تعرضوا أنفسكم للجور.
٢ - أنه ينبغي للإنسان أن يتزوج من تطيب نفسه بها؛ لأن ذلك أدنى أن يؤدم بينهما، ولهذا شرع للإنسان أن ينظر إلى مخطوبته حتى تطيب نفسه بها.
٣ - ويتفرع عن هذه الفائدة تبين خطأ ما يستعمله بعض البادية من إجبار الإنسان على نكاح ابنة عمه مع أنه لا يريدها؛ لأن الله يقول: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾، فإذا كان الرجل لا تطيب نفسه بهذه المرأة فكيف يتزوجها؟ فما يفعله بعض البادية لا شك أنه خطأ مخالف للشرع، فإن ابنة عمه إذا لم يتزوجها تزوجها غيره من الناس.
[ ١ / ٣١ ]
٤ - أن الله ﷿ إذا سد باب حرام فتح أبواب الحلال؛ لأن قوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ يعني: فلا تتزوجوهن، ولكن ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾، وهذا من طريقة القرآن والسنة، أنه إذا سد باب الحرام فإنه يفتح باب الحلال؛ لئلا يوصد أمام الإنسان العمل والحركة، وقد تقدم لهذا نظائر؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، ومن ذلك: إرشاد النبي - ﷺ - إلى بيع التمر الرديء بالدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمر طيب.
٥ - جواز التعدد؛ لأن عرض العدد هنا في مقابلة المنع من نكاح اليتامى اللاتي يخاف الإنسان أن لا يقسط فيهن، فكأنه قال: إذا تركت نكاح واحدة من اليتامى، فلك أن تنكح اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، وهذا هو الأقرب، لكن يؤخذ مشروعية التعدد من أدلة أخرى، منها: أن النبي - ﷺ - أراد من أمته تكثير النسل، وهذا يحصل بالتعدد أكثر مما يحصل بالإفراد، وقد قرأت في جريدة، أن بعض الناس بدؤوا يعملون عملًا طيبًا في الحقيقة، وهو الحفل الجماعي في الأنكحة، حتى إنهم جمعوا في ليلة واحدة في وليمة واحدة خمسة وستين عرسًا، وهذا لا شك أنه يوفر نفقات، ويوفر تعبًا على الناس، وهو سنة حسنة؛ لأن هذا من باب تخفيف المؤونة، وأعظم النكاح بركة أيسره مؤونة.
٦ - أنه لا يجوز تجاوز الأربع؛ لقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، مع أن المقام مقام فتح باب للناس، وتكثير، ومنة، ومثل هذا الباب يذكر فيه أقصى ما يكون من المنة التي ليس وراءها شيء.
٧ - تحريم الوسائل المؤدية إلى المحرم؛ لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ
[ ١ / ٣٢ ]
﴿أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، فأوجب الإقتصار على الواحدة إذا خاف الإنسان عدم العدل، وهذه قاعدة عظيمة في أصول الفقه: "أن للوسائل أحكام المقاصد"، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب، وما يحصل به المحرم فهو حرام.
٨ - وجوب العدل بين الزوجات؛ لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، والجور بين الزوجات من كبائر الذنوب؛ لقول النبي - ﷺ -: "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما؛ جاء يوم القيامة وشقه مائل" (^١).
٩ - أنه لا يجب العدل بين الإماء في الجماع ولا في غيره؛ لقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
١٠ - إثبات ملك اليمين، لقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ولا يمكن رفع هذا الحكم الشرعي مخافة ذم الناس أو شماتتهم، بل الواجب بقاء ملك اليمين إذا وجد سبب هذا الملك، وهو الكفر، وذلك إذا قاتل المسلمون الكفار وسبوا نساءهم وذريتهم.
١١ - إثبات الملكية للإنسان، وأن الإنسان يملك، ولا ينافي هذا أن نقول: إن الملك لله؛ وذلك لأن الملك ملكان: ملك شامل كامل لا يسأل فيه المالك عن أي تصرف، وهذا لله، وملك دون ذلك في الشمول والتصرف، فهذا ثابت، ثم هو أنواع: فتارة يملك الإنسان الرقبة؛ كعبد موصى به لشخص وبمنفعته لشخص آخر، وتارة يملك المنفعة؛ كالمستأجر، وتارة يملك المنفعة والرقبة؛ كالمالك المعتاد الذي يملك مطلق التصرف.
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء (٢١٣٣)؛ ورواه الدارمي، كتاب النكاح، باب في العدل بين النساء (٢٢٠٦).
[ ١ / ٣٣ ]
١٢ - أن اليمين أفضل من اليسار؛ لأنه أضاف الملك إليها، ولا شك أن اليمين أفضل من اليسار، ولهذا تعد اليمين للإكرام واليسار للإهانة، فالشيء الطيب يتناول باليمين، والشيء الخبيث يزال باليسار.
١٣ - تفاضل الأعمال، فبعضها أعلى من بعض في السوء، وأدنى من بعض في الحسن، لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ لأن الأدنى اسم تفضيل، فلا بد أن يكون هناك فاضل ومفضول.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤].
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ "آتوا" أي: أعطوا، والفرق بين "أتوا " و"آتوا": أن "آتوا" بمعنى أعطوا، و"أتوا" بمعنى جاءوا.
والخطاب في قوله: "آتوا" هل هو للأزواج أم للأولياء؟