١ - أن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ابتلوا بإنفاق المال على وجه لا خير فيه، على أنهم يبذلونه رئاء الناس، وهذا وجه لا خير فيه، بل إذا وقع تعبدًا كان شرًا.
- ويترتب على هذه الفائدة أن من عدل عن المشروع ابتلي بالممنوع، فانظر قوم لوط لما عدلوا عن النساء ابتلوا بالذكران، فأتوا الذكران شهوة، وانظر إلى البخيل الذي يبخل بالزكاة كيف تجده يبذل ماله وبكل سهولة ويسر في غير فائدة، فيبذله للتنزه خارج البلاد الإسلامية، فيستهلك من الأموال أضعاف أضعاف ما يجب عليه بذله من الزكاة والنفقات الواجبة.
[ ١ / ٣٢٣ ]
٢ - ذم من ينفق ماله لمراءاة الناس، ولكن لو أنفق الإنسان ماله علنًا ليراه الناس فيقتدوا به، فلا يدخل في الآية؛ لأن هذا أنفقه لله، لكن جعله علانية لمصلحة الإنفاق، وفرق بين من ينفق لا لشيء إلا ليراه الناس فيمدحوه، وبين من ينفق علنًا ليقتدي به الناس، ولهذا امتدح الله الذين ينفقون أموالهم سرًا وعلانية.
٣ - أن الشيطان يلعب بابن آدم، فهؤلاء الذين بذلوا ما يحبون من الأموال بذلوها في شيء لا ينفعهم، وثناء الناس على المرء في غير ما يحبه الله سينقلب بعد ذلك ذمًا ولا بد، ودليله: "من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس" (^١)، ولذلك تجد الذين يراءون في الإنفاق إن حمدوا فإنهم يحمدون ساعتهم فقط، ثم ينقلب هذا الحمد ذمًا، فالشيطان يلعب بالإنسان ويغره وينفخه، حتى يظن أنه إذا أنفق أو عمل مراءاة للناس رفعه ذلك عند الناس.
٤ - أن المرائي عنده نقص في الإيمان بالله واليوم الآخر، لقوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ لأن الذي حملهم على المراءاة ضعف إيمانهم بالله واليوم الآخر، ولو كان إيمانهم بالله واليوم الآخر قويًا ما ابتغوا بالإنفاق إلا وجه الله والدار الآخرة.
٥ - ذم من لا يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه كافر والعياذ بالله، ومدح من آمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه مؤمن.
٦ - الثناء على من آمن بالله واليوم الآخر، وأن الإيمان بالله
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الزهد، باب حفظ اللسان، حديث رقم (٢٤١٤)؛ وابن حبان (١/ ٥١٠) (٢٧٦) عن عائشة.
[ ١ / ٣٢٤ ]
واليوم الآخر من أسباب الإخلاص واجتناب الرياء، لقوله: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
٧ - أن الله قد يبتلي العبد بمقارنة الشيطان له، لقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾.
٨ - الحذر من مقارنة الشيطان للإنسان.
فإن قال قائل: وأي شيءٍ أصل به إلى العلم بأن الشيطان كان قرينًا؟
فالجواب: أن نقول: بما يأمرك به، قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، فإذا وجدت في نفسك من يأمرك دائمًا بالمعصية والبخل والفحشاء، فهذا هو الشيطان، فعليك أن تلجأ إلى الله ﷿؛ لأن الله أمرك بذلك، قال الله ﷿: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ٢٠٠] فهو يسمع استعاذتك ويعلم حالك، ويعلم كيف يدفع الشيطان عنك.
٩ - تقبيح وذم مقارنة الشيطان للإنسان، لقوله: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾، وقد جاء في الحديث: "أن كل إنسان له قرين، ولكن القرين قد يسلم ويستسلم ولا يأمر بشر"؛ لأن الرسول - ﷺ - لما سئل: قيل: ولا أنت يا رسول الله! قال: "ولا أنا، ولكن الله أعانني عليه فأسلم" (^١) يقال: إنه روي بضم الميم: "فأسلمُ"، وروي بفتحه: "فأسلمَ"، أما على رواية الضم فالمعنى: أعانني الله
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس وأن مع كل إنسان قرين، حديث رقم (٢٨١٤) عن ابن مسعود.
[ ١ / ٣٢٥ ]