١ - انتفاء الظلم عن الله ﷿، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وهذا النفي يتضمن إثبات كمال العدل، وليس المراد به مجرد انتفاء الظلم؛ لأن مجرد انتفاء الظلم لا يدل على كمال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] أي: الوصف الأعلى.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة، حديث رقم (٦١٢٦)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب، حديث رقم (١٣١) عن ابن عباس.
(٢) رواه البخاري، كتاب صفة الصلاة، باب الدعاء قبل السلام، حديث رقم (٧٩٩)؛ ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، حديث رقم (٢٧٠٥).
[ ١ / ٣٣١ ]
وانتفاء الظلم المجرد لا يدل على الكمال؛ لأن انتفاء الظلم قد يكون لعدم قبول المنفي عنه لهذا الظلم، بمعنى: أنه ليس مما يقبل انتفاء الظلم أو ثبوت الظلم، فإذا نفي الظلم عما لا يقبله فإنه لا يعد مدحًا، فلو قلت: إن الجدار لا يظلم فليس في هذا مدح للجدار، لأن الجدار لا يمكن أن يظلم فلا يكون نفي الظلم عنه مدحًا؛ لأنه أصلًا لا يظلم، وربما يكون نفي العيب بعدم قدرة الشيء على هذا العيب، ولنجعل المثل الظلم، فقد يكون نفي الظلم عن شخص لا لكمال عدله ولكن لعجزه عن الظلم، وحينئذٍ لا يكون ذلك مدحًا بل يكون ذمًا، فصار انتفاء الظلم عما لا يقبل الظلم ليس مدحًا ولا ذمًا، وانتفاء الظلم عما يمكنه الظلم ولكنه عاجز يعتبر ذمًا، ومن ذلك قول الشاعر:
قبيلة لا يغدرون بذمةٍ ولا يظلمون الناس حبة خردلِ
فقوله: لا يغدرون بذمة لا يعني أنهم أوفياء بالذمم، وقوله: ولا يظلمون الناس حبة خردل لا يعني أنهم ذوو عدل، بل هذا تحقير لهم بأنهم لا يستطيعون أن يغدروا، ولا يستطيعون أن يظلموا، وقرينة ذلك قوله: "قبيلة" فإنها للتصغير، والتصغير يدل على التحقير.
ومنه قول الحماسي يهجو قومه:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عددٍ ليسو من الظلم في شيءٍ وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةً ومن إساءة أهل السوء إحسانا
وهذا ظاهره المدح، ولكن المراد به الذم، ولهذا قال:
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا شنوا الإغارة فرسانًا وركبانًا
ليت لي بهم؛ أي: بدلهم، فصار نفي الظلم عنهم وكونهم
[ ١ / ٣٣٢ ]
يجزون بالسوء مغفرة وبالإساءة إحسانًا لعجزهم، وليس لكمال أخلاقهم.
إذًا: فقوله ﷿: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ليس المراد به مجرد نفي الظلم عن الله، بل المراد به إثبات كمال العدل، وأنه لكمال عدله لا يظلم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]، وهذه القاعدة تكون في جميع ما نفى الله عن نفسه، فكل ما نفى الله عن نفسه، فإنه لا يراد به مجرد النفي، إنما المراد به إثبات كمال الضد، وإنه لكماله في ضد هذه المسألة انتفت عنه، ومن ذلك قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] أي: من تعب، لكمال قوته.
٢ - أن ما ذكر على سبيل المبالغة لا مفهوم له، لقوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ فلا مفهوم لقوله: مثقال ذرة أنه يظلم دون ذلك، بل لا يظلم مثقال ذرة ولا دونها، لكن عادة العرب ضرب المثل في الشيء الحقير بمثقال الذرة.
٣ - إثبات علم الله ﷿ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾، فإنه يستلزم علمه بالظلم ومن يستحقه ومن لا يستحقه، مع أن الله تعالى لا يظلم أبدًا.
٤ - أن الله تعالى يضاعف الحسنات، لقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾، وقد بين الله هذه المضاعفة بأن الحسنة بعشر أمثلها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة.
٥ - أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه؛ لأن الحسنات تضاعف والسيئات لا تزاد فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾،
[ ١ / ٣٣٣ ]