١ - أهمية الصلاة والعناية بها، وجه ذلك: أن الله تعالى صدر الحكم المتعلق بالصلاة بالنداء لاسترعاء الإنتباه.
- ومما يدل على العناية بها أن الله صدر الخطاب بذلك بوصف الإيمان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فدل هذا على أهمية الصلاة، وعلى العناية بها.
٢ - حل الخمر بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فإن هذا رخصة للناس أن يشربوا الخمر في غير أوقات الصلاة، وهذه إحدى المراحل التي كانت في الخمر؛ لأن الخمر له أربعة مراحل: الإباحة، والتعريض بتركه، والنهي عن شربه قرب وقت الصلاة، والنهي عن شربه مطلقًا، وقد أجمع المسلمون على تحريم الخمر، وصار تحريمه من الأمور الظاهرة المجمع عليها، حتى قال العلماء: إن من أنكر تحريمه فإنه كافر، إلا أن يكون ناشئًا في بلد بعيد عن بلاد المسلمين، فإنه يعرَّف، ثم بعد ذلك يبين له.
٣ - أنه لا حكم لقول السكران، لقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فإنه يدل على أن السكران لا يعلم ما يقول، وإذا كان لا يعلم ما يقول صار قوله لغوًا لا عبرة به، وهذا هو القول الراجح، حتى لو طلق فإنه لا يقع طلاقه، ولو أعتق فإنه لا ينفذ عتقه، ولو وقف لا ينفذ إيقافه، وأيّ قول يقوله فإنه لا عبرة به؛ لأنه لا يعلم ما يقول.
- ويتفرع على هذه الفائدة أن الإنسان إذا غضب غضبًا شديدًا حتى صار لا يعلم ما يقول فإنه لا عبرة بقوله، حتى لو
[ ١ / ٣٥٠ ]
كان كفرًا وحمله على ذلك شدة الغضب فإنه لا عبرة بقوله، لقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فدل ذلك على أن جهل الإنسان بما يقول له أثر في تغير الحكم، وكذلك لو طلق في شدة الغضب وهو لا يعلم ما يقول، بل لو أنه طلق وهو يعلم ما يقول لكن صار كالمكره من شدة الغضب، فإنه لا حكم لقوله، ولا تطلق المرأة بذلك.
٤ - الحث على حضور القلب في الصلاة، لقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، والقلب إذا غاب فإن الإنسان لا يعلم ما يقول، وإنما يقول على سبيل العادة فقط، وإلا لو أنه رجع إلى نفسه لتبين له أنه لا يدري ما يقول، أي: لا يدري معنى ما يقول، وإن كان قد يدري أنه لفظ.
٥ - أن فيه شاهدًا لنهي النبي - ﷺ - عن الصلاة في حضرة الطعام، أو وهو يدافعه الأخبثان (^١)، ووجه ذلك: أن الصلاة في هذه الحال ينقصها العلم بما يقول المصلي.
٦ - ومنها ما ذهب إليه بعض العلماء: من أن الوسواس إذا غلب على أكثر الصلاة فإنها لا تصح، يعني لو غلب الوسواس والهواجس في الصلاة أو على أغلبها، فإنها لا تصح، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
ولكن هذه المسألة الصحيح فيها أن الصلاة تصح، لكنه لا ينال الثواب الكامل، ودليل ذلك ما أخبر به النبي - ﷺ -: "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله (٥٦٠).
[ ١ / ٣٥١ ]
التأذين أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول له: اذكر كذا واذكر كذا لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى" (^١)، وهذا يدل على أن الوسواس في الصلاة لا يبطلها، لكن لا شك أنه ينقصها، لقوله: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها" (^٢).
٧ - تحريم مكث الجنب في المسجد، لقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وهذا هو أصح الأقوال في هذه الآية؛ أي: أن المراد بذلك النهي عن قربان الجنب للمساجد إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ، ولكن يستثنى من ذلك ما إذا توضأ الجنب، فإنه إذا توضأ يجوز له المكث في المسجد؛ لأن هذا ورد فيه آثار عن الصحابة ﵃، أنهم كانوا يفعلون هذا في عهد النبي - ﷺ - (^٣).
٨ - أن العبور ليس كالمكث، وعليه: فإن الإنسان لو مر عابرًا بالمسجد فإننا لا نلزمه أن يصلي تحية المسجد لأنه عابر، بخلاف ما إذا مكث وجلس فإننا نقول له: لا تجلس حتى تصلي ركعتين.
٩ - أن منع الجنب من دخول المسجد يزول إذا اغتسل، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُو﴾، ويزول بالوضوء، للآثار الواردة عن الصحابة.
١٠ - الإشارة إلى القاعدة المعروفة المتفق عليها، وهي أن
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل التأذين، حديث رقم (٥٨٣)؛ ومسلم، كتاب الصلاة، باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه، حديث رقم (٣٨٩) عن أبي هريرة.
(٢) انظر: تفسير النيسابوري (٥/ ٤٢٨)؛ وتفسير السعدي (١/ ٤٠) من تفسير الآية ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.
(٣) انظر: التفسير من سنن سعيد بن منصور (٢/ ٢٧٧).
[ ١ / ٣٥٢ ]
المشقة تجلب التيسير، ووجهه: أن الله تعالى أجاز للمريض أن يتيمم، ولكن هل يتيمم لكل مرض، أو يتيمم إذا كان استعمال الماء يؤدي إلى الموت؟
الجواب: من العلماء من يقول: لا يتيمم إلا كان يخاف الموت، أما إذا كان يخاف طول المرض، أو تشويه الجسم، فإنه لا يتيمم.
ومنهم من قال: يتيمم لكل مرض، والصواب أنه لا هذا ولا هذا، فيتيمم لكل مرض يخشى باستعمال الماء فيه أن يطول مرضه، أو يزيد مرضه، أو يسري الجرح حتى يؤثر في البدن، أو ما أشبه ذلك، المهم أنه متى حصل شيء يضره، فإنه يتيمم ولا بأس.
١١ - أن المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم، ولا ينتظر حتى يجد الماء في البلد، لقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
١٢ - أنه لا يجوز التيمم في الحضر عند عدم الماء؛ لأن الله تعالى شرط للتيمم شرطين: الأول: عدم الماء، والثاني: السفر، والصحيح أنه جائز؛ لأنه ثبت أن النبي - ﷺ - تيمم في الحضر، وذلك في قصة الرجل الذي جاء وسلم على النبي - ﷺ - فلم يرد عليه حتى تيمم على الجدار، وقال: "إني أحببت ألا أذكر الله إلا على طهر" (^١)، وهذا نص في النزاع، ولأن العلة واحدة وهي عدم
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه" برقم (٣٣٠) عن ابن عمر ﵄، والدارقطني في "سننه" (١/ ١٧٧) برقم (١٧١)؛ والطبراني في "الأوسط" (٨/ ٦) برقم (٧٧٨٤) وقال: لم يذكر التيمم إلا نافع.
[ ١ / ٣٥٣ ]
الماء، فلو فرض أن الماء انقطع عن البلد ولم يجد الإنسان ماء يتطهر به فإنه يتيمم؛ لأن العلة واحدة، لكن ذكر السفر لأنه مظنة العدم، وكما مر علينا أن القيد إذا كان أغلبيًا فإنه لا مفهوم له.
١٣ - أن السفر ليس له حد معين، ووجهه: الإطلاق في قوله: "أو على سفر"، ولم يقل مسافة كذا، وهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم، ولا يحد بثمانين كيلو، ولا مائة كيلو، ولا أربعين كيلو، بل حده أن يقع عليه اسم السفر، فإذا وقع عليه اسم السفر ثبتت له أحكام السفر، ولم يحدد الله ولا رسوله السفر بمسافة معينة.
١٤ - أن البول والغائط ناقضان للوضوء، لقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، وهناك نواقض أخرى سوى ذلك:
منها: النوم إذا كان عميقًا، بحيث لو أحدث الإنسان لم يحس بنفسه، وأما النوم اليسير الذي يحس الإنسان بنفسه لو أحدث، فإنه لا ينقض الوضوء، وفيه خلاف، ولكن الصحيح أنه ينقض الوضوء إذا كان عميقًا.
ومنها: أكل لحم الإبل، فإنه ناقض للوضوء، ثبت عن النبي - ﷺ - فيه حديثان صحيحان، حديث البراء وحديث جابر بن سمرة ﵄.
ومنها: الخارج من غير السبيلين إذا كان نجسًا كالدم، وفيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا ينقض الوضوء، فإن الصحابة ﵃ كانت تصيبهم الجراحة في سبيل الله، وتصيبهم الجراح أيضًا في غير القتال. ولم يرد عن النبي - ﷺ - أنه أمرهم بالوضوء من ذلك، ومثل هذا تتوافر الدواعي على نقله.
[ ١ / ٣٥٤ ]
ولأننا نقول: الوضوء ثبت بمقتضى الدليل الشرعي، فلا يمكن أن ترتفع هذه الطهارة التي حصلت في الوضوء إلا بدليل شرعي، وليس هناك دليل يدل على أن خروج الدم من البدن أو غيره من النجاسات من غير السبيلين ناقض للوضوء، وعلى هذا فالرعاف ولو كثر، والجرح إذا كثر حتى نزف الدم منه لا يكون ناقضًا للوضوء.
ومنها: مس الذكر، وإن شئت فقل: مس الفرج، وفيه للعلماء أقوال: أنه ناقض مطلقًا، وأنه غير ناقض مطلقًا، والتفصيل، وهو الأظهر، وهذا هو مقتضى التعليل الذي علل به النبي - ﷺ - عدم النقض، فإنه لما سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء، قال: "لا، إنما هو بضعة منك" (^١) أي: جزء منك، فإذا مسه الإنسان بغير شهوة، فهو كما لو مس بقية أعضائه فليس عليه وضوء ولا إشكال في هذا، لكن إذا مسه لشهوة فهل الوضوء واجب، أو الوضوء مستحب؟
فيه قولان للعلماء: منهم من قال إنه مستحب؛ لأن الشهوة تثير البدن، ومنهم من قال: إنه واجب، والأحسن بل والأحوط أن يتوضأ.
ومنها أيضًا: مما اختلف فيه العلماء: تغسيل الميت، ومس المرأة، والقيء والصحيح في هذا أنه لا ينقض.
وعلى هذا فالنواقض التي نرى أنها ناقضة والتي دلت عليها النصوص عندنا هي: من البول، والغائط والريح، والنوم العميق،
_________________
(١) رواه النسائي، كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من ذلك (١/ ١٠١)؛ وابن حبان (١١٢٠)؛ والدارقطني (١/ ١٤٩) عن طلق بن علي.
[ ١ / ٣٥٥ ]
وأكل لحم الإبل، ومس الذكر لشهوة على سبيل الإحتياط.
١٥ - أن مجامعة النساء حدث، لقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وهو حدث أكبر كما دلت على ذلك آية المائدة، وعلى هذا فيجب على الإنسان إذا جامع المرأة أن يغتسل، سواء أنزل أم لم ينزل.
وكان في أول الإسلام أن الرجل إذا جامع ولم ينزل، فإنه يغسل ذكره وما أصاب المرأة منه، ولا يجب عليه الغسل، ثم بعد هذا نسخ، فصار الإغتسال من الجماع واجبًا وإن لم يحصل إنزال، أما إذا حصل إنزال من جماع أو غير جماع فإن الغسل واجب، لقول النبي - ﷺ -: "إنما الماء من الماء" (^١).
١٦ - أنه يشترط في جواز التيمم عدم الماء، أو التضرر باستعماله، وعدم الماء مأخوذ من قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، والتضرر باستعماله من قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾، وعلى هذا فلا يمكن أن يكون تيمم إلا إذا تعذر استعمال الماء لعدم أو لضرر باستعماله.
١٧ - جواز التيمم على وجه الأرض كله؛ من رمل، أو حصى، أو تراب، أو سبخة، أو جص، أو غير ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ ولم يقيد، ولقول النبي - ﷺ -: "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين" (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحيض، باب إنما الماء من الماء، حديث رقم (٣٤٣) عن أبي سعيد الخدري.
(٢) رواه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الجنب يتيمم، حديث رقم (٣٣٢)؛ والترمذي أبواب الطهارة، باب التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، حديث =
[ ١ / ٣٥٦ ]
واختلف العلماء فيما إذا كان من غير جنس الأرض كالشجرة، هل يجوز التيمم به، أو لا؟ فمنهم من أجاز التيمم به، ومنهم من قال: لا يجوز إلا إذا كان متصلًا بالأرض، فأما الغصن المنكسر المرمي في الأرض فإنه لا يتيمم به، وهذا هو الأقرب، وعلى هذا فلو تيمم الإنسان بجذع شجرة متصل بالأرض فلا بأس، ولكن لا شك أن تيممه على نفس الأرض أولى وأحوط وأبعد عن الخلاف.
واختلف العلماء ﵏: هل يشترط أن يكون له غبار أو لا؟
فقال بعض العلماء: لا بد أن يكون له غبار، لقوله تعالى في آية المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] و"من" للتبعيض، وهذا يقتضي أن يكون هناك غبار يمسح به.
ومنهم من قال: لا يشترط أن يكون له غبار، واستدلوا بهذه الآية: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ ولم يقل: "منه"، واستدلوا بأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه لما أرى عمار بن ياسر - ﵁ - كيف يتيمم "أنه ضرب بيديه الأرض ونفخ فيهما" (^١)، ولو كان الغبار شرطًا لم ينفخ؛ لأن النفخ يلزم منه أن يطير الغبار، والصواب أنه لا يشترط الغبار وأن الإنسان إذا تيمم على الأرض صح تيممه، سواء كان فيها غبار أم لم يكن.
_________________
(١) = رقم (١٢٤)؛ والنسائي، كتاب الطهارة، باب الصلوات بتيمم واحد، حديث رقم (٣٢٢)؛ وأحمد (٥/ ١٨٠).
(٢) رواه البخاري، كتاب التيمم، باب المتيمم هل ينفخ فيهما، حديث رقم (٣٣١).
[ ١ / ٣٥٧ ]
١٨ - أنه لا بد مع المسح من القصد، لقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ ﴿فَامْسَحُوا﴾، وعلى هذا فلو هبت الريح وحملت ترابًا ووقف الإنسان أمام الريح حتى ملأت وجهه من الغبار، ومسح وجهه، فقال بعض أهل العلم: إنه يجزئ، والأحوط أن لا يجزئ، وذلك لأن الله أمر بأن نقصد وجه الأرض، ونمسح منه.
١٩ - الحكمة في التشريع، ووجه ذلك: أن الله فرق بين طهارة الماء وطهارة التيمم، فطهارة الماء من الجنابة لا بد أن تعم جميع البدن، ومن الحدث الأصغر لا بد أن تعم الأعضاء الأربعة: الوجه، واليدين، والرأس، والرجلين.
أما طهارة التيمم فإنها لا تكون إلا في عضوين فقط، وهما: الوجه، واليدان، ولا فرق فيها بين الطهارتين الكبرى والصغرى، والحكمة من ذلك: أن الطهارة بالماء فيها تطهير حسي واضح، وطهارة التيمم فيها تطهير معنوي، وهو كمال التعبد والتذلل لله ﷿، بحيث إن الإنسان يمسح بالتراب وجهه وكفيه، وهذا دليل على كمال التعبد.
٢٠ - وجوب الترتيب بين مسح الوجه في التيمم ومسح اليدين، بحيث يقدم الوجه، والدليل على هذا قول النبي - ﷺ - حين أقبل على الصفا وقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، "أبدأ بما بدأ الله به" (^١)، وفي لفظ للنسائي ﵀: "ابدءوا بما بدأ الله به" (^٢)، وإذا كان الله بدأ هنا بالوجوه، فإننا نبدأ بها، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، حديث رقم (١٢١٨).
(٢) رواه النسائي، كتاب مناسك الحج، باب القول بعد ركعتي الطواف، =
[ ١ / ٣٥٨ ]
فمنهم من قال: يشترط الترتيب في التيمم مطلقًا، سواء تيمم عن حدث أصغر أم عن حدث أكبر.
ومنهم من قال: لا يشترط الترتيب مطلقًا، سواء تيمم عن حدث أصغر، أو عن حدث أكبر.
ومنهم من قال: إن كان عن حدث أصغر وجب الترتيب، وإن كان عن حدث أكبر لم يجب، قالوا: لأنه إذا كان عن حدث أصغر كان بدلًا عن طهارة يجب فيها الترتيب، والبدل له حكم المبدل، وإن كان عن غسل فالغسل لا يشترط فيه الترتيب، فيكون بدله لا يشترط فيه الترتيب وهو التيمم.
والأحوط أن يرتب فيبدأ بالوجه ثم باليدين.
٢١ - أنه لا يجب في التيمم مسح الذراع، لقوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ وأطلق، واليد عند الإطلاق هي الكف، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقد أجمع العلماء على أن السارق لا تقطع يده إلا من مفصل الكف ولا تقطع من المرفق، وهنا أطلق الله تعالى اليد كما أطلقها في القطع في السرقة، وإذا أطلقت فالمراد الكف.
فإن قال قائل: أفلا يجب المسح إلى المرفق قياسًا على الوضوء؟
فالجواب: أن نقول: القياس لا بد فيه من مساواة الفرع للأصل، وهنا لا يمكن تساوي الفرع والأصل للتباين العظيم بين طهارة التيمم وطهارة الماء، فطهارة التيمم أخف بكثير من طهارة
_________________
(١) = حديث رقم (٢٩٦٢)؛ وأحمد في المسند (٣/ ٣٩٤)؛ والدارقطني، كتاب الحج، باب المواقيت، حديث رقم (٢/ ٢٥٤).
[ ١ / ٣٥٩ ]