١ - أن من اليهود من استقام فلم يحرف الكلم عن مواضعه، ويؤخذ من التبعيض، حيث جعل مَنْ يحرف الكلم عن مواضعه "بعضهم".
٢ - أن المحرفين للكلم عن مواضعه يشبهون اليهود في طريق استعمال الوحي.
٣ - عدل الله ﷿، حيث تحدث عن اليهود بالقسط، فذكر الموصوفين بالعيب، وأخذ من هذا أن منهم من لم يوصف بذلك، لقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ولم يقل: كل الذين هادوا، وينبغي للإنسان إذا تحدث عن قوم في مقام التقويم أن يذكر المحسن والمسيء.
أما في مقام التحذير فإنه لا يذكر الإحسان؛ لأن الإحسان لا يتأتى أو لا يتناسب مع إيراد التحذير.
٤ - شدة عناد اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، لقوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، فإنهم لو قالوا: لم نسمع، أو قالوا: سمعنا ولم نفهم، لربما قال قائل: إن هذا عذر، لكن قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، فلم يمنعهم شيء عن الطاعة إلا مجرد عصيان.
٥ - أن من عتا من هذه الأمة وقال: أنا أعلم أن صلاة الجماعة واجبة ولكن لا أصلي مع الجماعة، نقول: من قال ذلك فهو يشبه اليهود الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.
[ ١ / ٣٧٣ ]
٦ - شدة حقد اليهود على رسول الله - ﷺ -، حيث كانوا يجيبون بهذه الكلمة السيئة: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾.
٧ - تعالي هؤلاء اليهود حتى عند الرسول - ﷺ -، لقولهم: اسمع؛ لأن كلمة اسمع إنما تكون في الغالب في المخاطبات من الأعلى إلى الأدنى، ولهذا ينتقد بعض الناس إذا قال لمن هو أكبر منه: اسمع، أو قال لأمه: اسمعي، فهذا منهم يدل على تعالي اليهود والعياذ بالله.
٨ - أن الإنسان يحاسب على ما أراد، لقوله: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾؛ أي: على ما في قلوبهم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.
فإذا قال قائل: وهل يحاسب ظاهرًا على ما أراد في باب الحكومة والخصومة مع الناس؟
الجواب: لا، بل على الظاهر، لقول النبي - ﷺ -: "إنما أقضي بنحو ما أسمع" (^١) ولقوله: "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" (^٢) لا ما في قلبك، ففرق بين الحكم في أمر يتعلق بالعبادة وبين حكم يتعلق فيما بين الناس.
٩ - أن الطعن في الدين يكون بالصريح ويكون باللازم، فالصريح أن يقول: هذا الدين يوجب لأهله التأخر والتقهقر والتزمت وما أشبه ذلك، هذا صريح.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم، حديث رقم (٦٧٤٨)؛ ومسلم، كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، حديث رقم (١٧١٣) عن أم سلمة.
(٢) رواه مسلم، كتاب الأيمان، باب يمين الحالف على نية المستحلف، حديث رقم (١٦٥٣) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٣٧٤ ]
الثاني: أن لا يكون صريحًا لكن من لازم القول، فهنا إذا نظرت إلى كلامهم لم تشعر بالطعن على وجه صريح، ولكن من لازم القول.
١٠ - أن الطعن في الدين من خصال اليهود، فمن طعن في الدين فهو مشبه لليهود والعياذ بالله.
١١ - تحريم الطعن في الدين، وأنه يجب أن يكون الدين محل احترام وتعظيم، لا محل طعن وقدح.
١٢ - عرض الحق على المستكبر عن الحق، لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ .. إلى آخره.
ومن نظائر ذلك: قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] أي: قتلوا أولياءه وأحرقوهم بالنار، ثم عرض عليهم التوبة، فقال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠].
١٣ - أن المنكَر إذا أنكره المنكِر فإنه ينبغي أن يري بدله ما لا ينكر، لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ بدل ﴿وَعَصَيْنَا﴾، ﴿وَاسْمَعْ﴾ دون ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾، ﴿وَانْظُرْنَا﴾ بدل ﴿رَاعِنَا﴾ كما قال تعالى في خطاب المؤمنين بهذا: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤].
١٤ - أنه تجوز صيغة التفضيل بين شيئين لا يوجد في الطرف الآخر منه شيء، وأن قولهم: إن التفضيل بين شيئين يقتضي اشتراكهما في أصل المعنى ليس على إطلاقه، بل في غالب الأحوال كذلك، ولكن قد يخرج عن هذه القاعدة، فإذا قلت: فلان أفضل من فلان، فقد اشتركا في الفضل، وزاد
[ ١ / ٣٧٥ ]
المفضل على المفضل عليه، وهذا هو الأصل في اسم التفضيل أن يشترك المفضل والمفضل عليه بأصل المعنى، لكن أحيانًا يأتي اسم التفضيل والطرف الآخر ليس فيه شيء منه، فهنا قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ فليس في قولهم السابق خير، ولا في قولهم السابق استقامة، ومع ذلك قال: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾.
ومثل ذلك قول المؤذن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، فالنوم الذي يصد عن الواجب لا خير فيه وإن كان الإنسان يعذر به، والذي يحب النوم سيقول: ليس مثله؛ لأن النوم خير.
ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤].
لأن أصحاب النار لا خير في مستقرهم، ولا حسن في مقيلهم، ويتمنون أن لا يكونوا من أهل النار.
١٥ - إثبات أصل التفاضل بين الأعمال والأقوال؛ لأن الله قال: ﴿خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾، ولا شك أن التفاضل بين الأقوال السيئة والحسنة والأفعال السيئة والحسنة ثابت، لكن هل تتفاضل الأعمال الحسنة؟ وهل تتفاضل الأعمال السيئة؟
الجواب: نقول: الأعمال تتفاضل، ولهذا سئل النبي - ﷺ -: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قيل: ثم أي؛ قال: "بر الوالدين"، قيل: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" (^١) والسائل عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
وكذلك أيضًا: قال الله تعالى في الحديث القدسي: "ما
_________________
(١) تقدم ص ٣١٤.
[ ١ / ٣٧٦ ]
تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه" (^١)، فالأعمال الصالحة تتفاضل كما أن الأعمال السيئة تتفاضل، فمنها صغائر ومنها كبائر، والكبائر منها أكبر ومنها دون ذلك، وكذلك الصغائر.
ويلزم من هذا زيادة الإيمان ونقصه على أصل مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
١٦ - أن من لعن وطرد عن رحمة الله فإنه ينقلب عليه الحق باطلًا والباطل حقًا، ولهذا لم يسلكوا الأحسن والخير فيما قالوا؛ لأن الله لعنهم.
ويتفرع على هذه القاعدة: أن العاقل لا يتعرض لما فيه لعنة الله؛ لأن الإنسان إذا تعرض لما فيه لعنة الله لعن وطرد وخذل، وفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺأنه قال: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه"، قالوا: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" (^٢) وعلى هذا فلا تتعرض لسب الوالدين؛ لأنك إن تعرضت لعنت وإذا لعنت طردت وأبعدت عن رحمة الله.
١٧ - أن الكفر سبب للعن، لقوله: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، وإذا كان في الإنسان خصال كفر، فهل يناله من اللعنة بمقدار ما معه من خصال الكفر؟
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث رقم (٦١٣٧).
(٢) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب لا يسب الرجل والديه، حديث رقم (٥٦٢٨)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، حديث رقم (٩٠) عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ١ / ٣٧٧ ]
الجواب: الظاهر نعم، وقد يقال: إن اللعنة عقوبة عظيمة لا تكون إلا على فعل عظيم، وقد يقال: إن الحكم المعلق على فعل إن وجد الفعل كاملًا فالحكم كامل، وإن وجد بعضه فله بعض الحكم، وينبني على ذلك قول النبي ﵊: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" (^١) فقد نقول: إن من طعن في النسب أو ناح على الميت فعليه جزء من اللعنة؛ لأن معه جزءًا من الكفر فيحتمل أن يقال: إن اللعنة تتبعض كما أن الكفر يتبعض، ويحتمل أن يقال: إن اللعنة إنما هي على الكفر الأكبر، ولكنا إذا رجعنا إلى قول الرسول - ﷺ -: "لعن الله من لعن والديه" (^٢) ولعن الوالدين لا يخرج من الملة، تبين لنا أن من عمل عملًا أطلق عليه الكفر فإنه يناله من اللعنة مقدار ما حصل منه من هذا الوصف.
١٨ - إثبات الأسباب، لقوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾.
١٩ - الرد على الجبرية والقدرية، وكلتاهما فئتان ضالتان بالقضاء والقدر، فالجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، والقدرية يقولون: الإنسان مستقل بعمله وليس لله فيه تدبير، والآية ترد عليهم جميعًا.
أما على الجهمية الذين هم الجبرية، فلقوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ فأضاف العمل إليهم، وهم يقولون: لا يضاف العمل إلى العامل
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة، حديث رقم (٦٧) عن أبي هريرة.
(٢) هذا اللفظ لمسلم، كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله ولعن فاعله، حديث رقم (١٩٧٨) عن علي بن أبي طالب.
[ ١ / ٣٧٨ ]