١ - وجوب الإيمان بالقرآن الكريم على أهل الكتاب، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا﴾.
٢ - إقامة الحجة على هؤلاء الذين أوتوا الكتاب وكفروا بمحمد - ﷺ -؛ لأنه لا عذر لهم؛ لأنهم أوتوا الكتاب فعندهم علم، ولأن الذي نزل على محمد - ﷺ - مصدق لما معهم، فليس لهم عذر، كتابهم بين أيديهم، وهو وسيلة العلم، ثم مجيء هذا القرآن مصدقًا لما معهم يثبت أن محمدًا - ﷺ - حق، فوجب عليهم الإيمان به.
٣ - إثبات أن القرآن كلام الله، ووجهه قوله: ﴿بِمَا نَزَّلْنَا﴾،
_________________
(١) تقدم ص ١٦٩.
[ ١ / ٣٨٣ ]
فإن قال قائل: التنزيل الذي يضاف إلى الله قد يكون في أمر مخلوق؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]؟
فالجواب عن ذلك يحصل بالتفصيل الآتي: وهو أن المنزل من عند الله ينقسم إلى قسمين:
أعيان، وأوصاف، فالأعيان بائنة منفصلة عن الله فتكون مخلوقة، مثل قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، فهذه أعيان بائنة منفصلة عن الله فتكون مخلوقة.
والقسم الثاني: أوصاف لا تقوم إلا بموصوف، مثل: الكلام، فالكلام صفة لا تقوم إلا بموصوف، فإذا أضاف الله إنزال الكلام إليه، فهو من صفاته، وهي غير مخلوقة، وعلى هذا فالقرآن غير مخلوق.
٤ - إثبات علو الله، ووجهه قوله: ﴿نَزَّلْنَا﴾ لأن النزول إنما يكون من الأعلى وهو كذلك، وأدلة علو الله ﷿ سبقت مرارًا، وقلنا: إن علو الله ﷿ ينقسم إلى قسمين:
قسم حسي، وقسم معنوي، فالقسم المعنوي متفق عليه بين أهل الملة، حتى أهل التعطيل يدعون أنهم يعطلون تنزيهًا لله عن النقص، فالعلو المعنوي لا أحد ينكره من أهل الملة، فكل أهل القبلة يقرون به.
والعلو الحسي الذاتي: هو الذي أنكره من سوى أهل السنة والجماعة، وقالوا: إن الله ليس عاليًا بذاته، بحجة باطلة، وقد
[ ١ / ٣٨٤ ]
بينا فيما سبق أن العلو الذاتي قد دل عليه من الأدلة خمسة أنواع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وبينا وجه ذلك.
٥ - أن القرآن الكريم مصدق للكتب السابقة يشهد لها بالصدق، ومصدق لها حيث جاء مطابقًا لما أخبرت به، فهو لا يتنافى معها ولا يتنافر معها، لكن الشرائع تختلف باختلاف الأمم، حتى باختلاف الأحوال، حتى في الشريعة الإسلامية تختلف الشرائع باختلاف الأحوال، فالفقير لا زكاة عليه، والغني عليه زكاة، وهذا اختلاف، إذ كيف يقال هذا الرجل الذي هو اسمه زيد عليه زكاة، وهذا الرجل الذي اسمه عمرو لا زكاة عليه؟ نقول: نعم؛ لأن الأول غني والثاني فقير.
فالشرائع تختلف، كما قال تعالى ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، لكن أصول الملل ثابتة واحدة، وهذا الكتاب العزيز مصدق لما بين يديه، وفي سورة المائدة بين الله ﷿ أنه مهيمن على ما سبق، ومعنى مهيمن: أي مسيطر، فالهيمنة على الشيء السلطة والسيطرة، وإذا كان كذلك لزم أن يكون ناسخًا لما سبق.
٦ - تهديد أهل الكتاب إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن بهذين الوعيدين: طمس الوجوه وردها على أدبارها، والثاني: أن يلعنوا كما لعن أصحاب السبت.
٧ - تحاشي التعبير بالمواجهة عند المؤاخذة، فهنا قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ ولم يقل: "وجوهكم"، وكان مقتضى السياق أن يقول: من قبل أن نطمس وجوهكم؛ لأنهم هم المهددون، لكن أتى بها على صيغة النكرة تحاشيًا للمواجهة
[ ١ / ٣٨٥ ]