١ - الإنكار على من يزكي نفسه، وجه ذلك أن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام إنكاري.
٢ - النهي عن تزكية النفس؛ لأن الله تعالى أنكر ذلك، كما صرح به في قوله: هُوَ ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
ومن فروع هذا: قول الإنسان: أنا مؤمن، فهل يجوز
[ ١ / ٣٩٥ ]
للإنسان أن يقول: أنا مؤمن! أو لا بد أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، الجواب: في هذا قولان للعلماء:
فمنهم من قال: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إلا باستثناء؛ لأن الإنسان لا يدري ماذا يموت عليه، والعبرة بالعاقبة، فقد يكون الإنسان اليوم مؤمنًا، ويكون غدًا كافرًا، ولا يجوز الجزم بشيء مستقبل.
ومنهم من قال: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن، لا لهذه العلة، ولكن لأنه يلزم من قوله هذا تزكية النفس، والشهادة لنفسه بالجنة؛ لأنه إذا قال: أنا مؤمن، فكل مؤمن في الجنة، فيلزم على هذا أن يجزم بأنه من أهل الجنة، وهذا لا يجوز.
ومنهم من علل بعلة ثالثة، وقال: إن الإيمان على وجه الإطلاق يراد به الإيمان المطلق المتضمن لفعل الواجبات، وترك المحرمات، وفعل المستحبات، وترك المكروهات، وهذا لا يمكن أن يجزم به العبد، فما أكثر المستحبات التي لا يفعلها، بل والواجبات، وما أكثر المكروهات التي يفعلها بل والمحرمات، وعلى هذا فيجب أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله!
وقال آخرون: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأن هذا شك، والشك في الإيمان كفر، إذ إن الواجب في الإيمان الجزم، والتردد فيه كفر.
ولكن القول الراجح في هذه المسألة أن يقال: إن قول الإنسان: أنا مؤمن، إما أن يقرنه بالمشيئة أو لا يقرنه، فإن لم يقرنه بالمشيئة فله حالان:
الأولى: إذا كان الحامل له تزكية النفس فهذا قول حرام؛
[ ١ / ٣٩٦ ]
لأن الله يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، ثم إن هذا فيه الإدلال على الله والمنة عليه، والله تعالى قال لنبيه - ﷺ -: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧] فإذا كان قوله: أنا مؤمن للإعجاب بالنفس فهذا لا يجوز؛ لأنه تزكية للنفس ومنهي عنه فيكون حرامًا.
الحالة الثانية: إن كان المقصود بذلك مجرد الخبر، بأن يعني بقوله: أنا مؤمن؛ أي: لست بكافر؛ فهذا لا بأس به، وقد قال النبي - ﷺ - للقوم الذي لقيهم في طريقه إلى الحج: "من القوم؟ " قالوا: "المسلمون" (^١) فأقرهم النبي - ﷺ - على ذلك؛ لأنهم يريدون بذلك الخبر، فإذا قال الإنسان: أنا مؤمن يعني: لست بكافر، فلا بأس، ولا يلزم على ذلك اللوازم التي ذكرها من منع قوله: أنا مؤمن، وإذا قرنه بالمشيئة فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون الحامل على ذلك قصد التردد فهو كفر، كما إذا قيل له: أنت مؤمن؟ فقال: إن شاء الله، مترددًا، فهذا كفر؛ لأنه لا إيمان مع شك، بل لا بد من الجزم.
الثانية: إذا كان الحامل له على ذلك بيان أن إيمانه كان بمشيئة الله لا بحوله ولا بقوته، فهذا لا بأس به؛ لأن الشيء المحقق قد يربط بالمشيئة إشارة إلى أنه واقع بمشيئة الله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] أي: لتدخلنه بمشيئته؛ لأن الجملة هنا: خبر مؤكد
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحج، باب صحة حج الصبي وأجر من حج به، حديث رقم (١٣٣٦).
[ ١ / ٣٩٧ ]
بثلاث مؤكدات، ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾، ورسول الله - ﷺ - لما قال له عمر - ﵁ -: ألست تقول: إننا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال له الرسول - ﷺ -: "أقلت لك هذا العام؟ " قال: لا، قال: "إنك آتيه ومطوَّف به" (^١) قال ذلك في المحاورة بينه وبين عمر - ﵁ - في مسألة صلح الحديبية.
ومن ذلك أيضًا قول زائر المقبرة: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" (^٢)، فإن اللحوق بهم مؤكد، والموت لا ينكره أحد، لكن المراد بـ "إن شاء الله"؛ أي: لاحقون بمشيئة الله، فمتى شاء الله لحقنا بكم.
الثالثة: إذا كان قصده بإن شاء الله دفع التزكية؛ أي: دفع تزكية النفس، وأنه يخشى على نفسه أنه إن لم يقل: إن شاء الله صار في نفسه شيء من التزكية، فهنا يكون قوله: إن شاء الله واجبًا.
وهذا التفصيل هو الذي تجتمع به الأدلة.
٣ - أن تزكية الغير لا بأس بها؛ لأن النهي أو الإنكار منصب على تزكية النفس، أما لو زكى غيره فإن ذلك لا بأس به، وهنا لا يزكي غيره بمجرد المظهر، ولا بد من خبرة، فلا يكفي أن ترى مظهر الشخص وتقول: إنه عدل ثقة، بل لا بد من خبرة؛
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، حديث رقم (٢٥٨١) من حديث المسور بن مخرمة ومروان.
(٢) رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، حديث رقم (٢٤٩) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٣٩٨ ]
لأنه قد لا يكون عدلًا، وقد يكون مرائيًا منافقًا مخادعًا، وربما يكون عدلًا في دينه ولكن عنده سوء حفظ، فإذا زكيته فيما يتعلق بالخبر كالشهادة مثلًا دون أن تخبره صار ذلك شهادة بما لا تعلم، فلو قال شخص: زك فلانًا، فإنه شهد عندي بشيء، فقد أزكيه من جهة دينه وأعرف أنه رجل مستقيم في الدين، يصلي ويزكي ويصوم، لكن من جهة الحفظ - والمسألة مسألة شهادة خبرة -، فلا بد أن يكون عندي علم بباطن حاله واختبار، فلا تجوز التزكية في مثل الأخبار إلا إذا عرفت أن الرجل حافظ.
٤ - أن الأمر إلى الله ﷿ في تزكية الإنسان ورفع التزكية عنه، وتؤخذ من قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، فالحكم بالتزكية إثباتًا أو نفيًا إلى الله وحده، فهو الذي يزكي من يشاء.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٩، ١٠].
فالجواب: إن كان الفاعل في قوله: ﴿زَكَّاهَا﴾ هو الله فلا إشكال؛ لأن المزكي هو الله في هذا وفي هذا، وإن كان ضمير الفاعل يعود على الإنسان، يعني: قد أفلح من زكى نفسه وقد خاب من دس نفسه، فالجمع أن نسبة التزكية إلى الإنسان هنا نسبة شيء إلى سببه لا إلى حصوله، فالإنسان يفعل الطاعة فيكون زكيًا، فيكون المراد بالتزكية فعل سببها، وعلى هذا فلا إشكال أيضًا.
٥ - أنه يجب على الإنسان أن يلجأ في طلب التزكية إلى الله، لقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ فأنت إذا علمت أن الله هو الذي يزكي فاسأل الله، ولهذا كان من الدعاء المأثور: "اللهم
[ ١ / ٣٩٩ ]
أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" (^١).
٦ - الرد على القدرية، الذين يقولون باستقلال الإنسان في عمله، ويؤخذ من قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾.
٧ - إثبات المشيئة لله ﷿، لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، وأن الله سبحانه له مشيئة، يدبر الأمر بحسب هذه المشيئة، ولكن هذه المشيئة ليست مشيئة مطلقة بل مشيئة مقرونة بالحكمة.
٨ - نفي الظلم عن الله، لقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، والظلم محرم على الله حرمه على نفسه جل وعلا، ففي الحديث القدسي: "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا" (^٢)، وفي هذا نكتة جيدة، وهو أن الله يفرض على نفسه ويحرم على نفسه؛ لأن الله هو الذي يدبر الأمر، قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وكتب بمعنى: فرض، فقد فرض على نفسه، وهنا في الحديث القدسي: "إني حرمت الظلم على نفسي" (^٣).
وليس في صفات الله ما هو نفي محض، فكل نفي في صفات الله فهو متضمن لإثبات، فقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والإستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، حديث رقم (٢٧٢٢) عن زيد بن أرقم.
(٢) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، حديث رقم (٢٥٧٧) عن أبي ذر.
(٣) تقدم الحديث السابق.
[ ١ / ٤٠٠ ]
أي: لأن الله كامل العدل، ومن كان كامل العدل فإنه لا يظلم فتيلًا.
قال أهل العلم: ولا يمكن أن يكون في صفات الله نفي محض لا يتضمن مدحًا، وعللوا ذلك فقالوا: النفي إن لم يتضمن كمالًا فقد يكون نقصًا، وقد يكون لا نقصًا ولا كمالًا، فالأقسام ثلاثة: نقص، وكمال، ولا هذا ولا هذا، فالنقص وكونه لا هذا ولا هذا ممتنع عن الله، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠].
فإذا قلت مثلًا: إن الجدار لا يظلم، والخشبة لا تظلم، والسيارة لا تظلم، فهذا لا يتضمن كمالًا ولا نقصًا؛ لأنه غير قابل لأن يوصف بالظلم أو عدمه، إذ إن الجدار ليس له إرادة حتى يظلم أو لا يظلم.
ومثال ما يكون فيه نفي الظلم نقصًا قول الشاعر:
قبيّلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
فقوله: "لا يغدرون بذمة" لا يعني أن عندهم وفاء، قوله: "ولا يظلمون الناس حبة خردل" لا يعني أن عندهم عدلًا، فإن الشاعر لم يقصد ذلك، وإنما قصد بيان ضعفهم وعجزهم، بدليل أنه قال: "قبيَّلة" بالتصغير.
وكذلك قول الحماسي:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا
أي: إذا ظلمهم أحد صبروا وغفروا، وإذا أساء إليهم إنسان أحسنوا إليه، فإذا أخر عليهم المزرعة أرسلوا له أكياسًا من البر، فهم يجزون من سوء أهل السوء إحسانًا.
[ ١ / ٤٠١ ]