١ - دعوة الإنسان إلى العجب فيما يتعجب منه، وأن هذا من طرق القرآن، لقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾.
٢ - تعظيم الكذب على الله؛ لأنه لم يؤمر بالتعجب منه إلا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي - ﷺ -، حديث رقم (١١٠)؛ ومسلم في المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ -، حديث رقم (٣) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٤٠٤ ]
لأنه شيء عظيم، والكذب على الله يشمل الكذب عليه في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله، وفي أحكامه، وإن شئت فقل: في أحكامه الكونية والشرعية، فالكذب على الله في ذاته مثل أن يتحدث الشخص عن ذات الله ﷿، فأي إنسان يتحدث عن ذات الله بغير علم فهو كاذب على الله.
والكذب على الله في أسمائه: مثلما فعل المعطلة في قولهم: إن أسماء الله مجرد أعلام لا معنى لها، فيقول: الغفور الرحيم السميع البصير العزيز الحكيم، ليس لها معنى، وما هي إلا مجرد أعلام تدل على المسمى بها ولا تحمل أي معنى، فهذا كذب على الله، كيف تقولون: إنها مجرد أعلام والله ﷿ يقول في القرآن إنه ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، ومقتضى هذا اللسان العربي المبين أن اسم الفاعل يدل على أصل المعنى، وثبوت أصله، ولا يمكن أن يقال لمن لم يضرب إنه ضارب، ولا لمن لم يسمع إنه سميع.
ثم إن الله قد بين أن هذا المعنى مقصود في قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١]، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠] وأمثال ذلك.
فهؤلاء الذين قالوا: إن الله أراد بأسمائه مجرد التسمية دون المعنى مفترون على الله الكذب.
وكذلك في صفاته: فمن حرف في صفات الله، وقال: المراد بالإستواء الإستيلاء، فهذا مفتر على الله الكذب، فالله ﷿ يقول عن نفسه: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]،
[ ١ / ٤٠٥ ]
والقرآن بلسان عربي مبين، واستوى على كذا باللسان العربي معناه: علا عليه واستقر عليه، فإذا قال: استوى بمعنى استولى، فقد كذبوا على الله، ونحن نجزم أن الله لم يرده؛ لأن الله قال في القرآن: إنه بلسان عربي مبين، واللسان العربي المبين لا يقتضي سوى أنه علا عليه واستقر عليه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أي: صيرناه بلسان عربي، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: تفهمون معناه على مقتضى هذا اللسان العربي.
والذين يقولون: هذا حرام، وهذا حلال، بدون علم، قد افتروا على الله الكذب، لماذا؟ ما الذي أدراهم أن الله حرم هذا أو أوجبه، ولهذا كان من ورع الإمام أحمد ﵀ كما نقله عنه شيخ الإسلام ﵀ أنه لا يمكن أن يقول: هذا حرام إلا بما نص على تحريمه، فالميتة يقول إنها حرام؛ لأنه منصوص عليها، ونكاح الأم يقول إنه حرام لأنه منصوص عليه، أما الذي هو نهي فإنه يقول: أكره هذا، لا يعجبني، أستقبحه، وما أشبه ذلك.
ومع هذا فقد حفظ الله له هذا الطريق، فقال أصحاب الإمام أحمد ﵀: إذا قال الإمام أحمد: لا يعجبني، فهو للتحريم، وإذا قال: أكره هذا فهو للتحريم، فالله سبحانه قد حفظه فيما يريده من الأحكام، مع تورعه عن إطلاق الحرام إلا على ما كان مصرحًا به، فما بالك بمن يقول الآن: قال الإسلام كذا وكذا؟ ومع ذلك تجده من أجهل الناس بأحكام الإسلام، ثم ينسب هذا القول الذي قاله وهو خطأ إلى الإسلام، وإذا تبين للناس أنه خطأ فسوف يخطئون الإسلام.
[ ١ / ٤٠٦ ]