١ - جواز التزوج بثانية، ولو كان يريد أن تكون بدلًا عن الأولى، لقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ أي: لو أراد أن يتزوج امرأة لتكون بدلًا عن الأولى تخدمه، وتقوم بحوائجه؛ فلا بأس.
٢ - جواز كثرة المهر، لقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ والقنطار قيل: إنه ألف مثقال من الذهب، وقيل: إن القنطار ملء جلد ثور من الذهب، وهذا كثير، فهل نقول: إن الآية تدل على جواز الزيادة في المهر؟ أم نقول: إن هذا من باب المبالغة؟ أي: لو آتيتم إحداهن هذا المال الكثير فلا تأخذوا منه شيئًا ولو قليلًا؟
الجواب: إن صحت الرواية عن عمر - ﵁ - أنه خطب الناس، وقال: "لا يزيد أحد على صداق رسول الله - ﷺ - إلا جعلته في بيت المال"، فقامت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين! كيف تقول هذا، والله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ فقال: "امرأة أفقه منك يا عمر"، وفي لفظ: "أصابت امرأة وأخطأ عمر" (^١)، فعدل عن قوله: فإن صحت هذه القصة فإن قوله: ﴿قِنْطَارًا﴾ لا يراد به المبالغة التي لا حقيقة لها، وإنما يراد به الكثرة الحقيقية، والأصل أنه يجوز أن يزاد في المهر، ولو بلغ قناطير؛ لأنه عقد بين متعاقدين ولا بد فيه من الرضا، فإذا لم ترض الزوجة وأولياؤها إلا بالكثير؛ فالأمر إليهم.
ولكن يقال: إن الأفضل عدم المغالاة في المهور، وكلما
_________________
(١) وقد ذكره القرطبي في التفسير (٥/ ٩٩)؛ وابن كثير (٢/ ٢٤٤)؛ والرازي (٥/ ١٢٠)؛ والسيوطي في الدر المنثور (٣/ ٦٥)، وقال الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد، مسند عمر بن الخطاب (٢/ ٥٧٣): فيه انقطاع.
[ ١ / ١٦٢ ]
خف المهر كان أكثر لبركة النكاح، وأحسن عاقبة، وأضرب لذلك مثلًا: إذا كان المهر قليلًا، ولم يوفق بين الزوج وزوجته، فإنه من السهل عليه أن يطلقها، سواء بفداء أو بغير فداء، فإن طلب الفداء فإنما يطلب شيئًا يسيرًا، وإن لم يطلب الفداء، فارقها وانتهى منها، لكن لو أنه أنفق عليها شيئًا كثيرًا، ثم ذهب يستدين من فلان وفلان، فركبه الدين الذي هو ذل في النهار، وهم في الليل، فماذا ستكون قيمة هذه المرأة عنده وقد كانت سببًا لهذا كله؟
سوف يكرهها، ويقول: هذه التي أدت إلى لحوق الدين علي، ثم إذا لم يرد الله التوفيق بينهما، فلن يسهل عليه أن يطلقها إلا بأن ترد إليه مهره، وهي قد أنفقت المهر، وذهب يمينًا وشمالًا، فيصعب عليها جدًا أن تدرك ذلك، فلهذا لا شك أن فوائد تقليل المهر كثيرة، ولهذا جاء في الحديث: "أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة" (^١).
٣ - تحريم أخذ الزوج شيئًا من المهر ولو قليلًا، لقوله: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، وكلمة: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي، فتعم القليل والكثير، ولكن لو رضيت الزوجة بأن يأخذ من مهرها شيئًا فالحق لها، إذا كانت مكلفة رشيدة، لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
٤ - الإنكار الشديد على من أخذ شيئًا من مهر امرأته بغير رضاها، لقوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾.
_________________
(١) هذا اللفظ لأحمد (٦/ ٨٢، ١٤٥)، وهو عند الطبراني في "الأوسط" (٩/ ١٧٣) بلفظ: "أخف النساء صداقًا أعظمهن بركة"، وهو عند النسائي في "الكبرى" (٥/ ٤٠٢)؛ والحاكم (٢/ ١٩٤).
[ ١ / ١٦٣ ]
٥ - أن من كمال البلاغة أن يأتي المتكلم بأبشع صورة؛ تنفيرًا مما يريد التنفير عنه، لقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، والعقل يقتضي أنه مع هذا الإفضاء يرجع كل من المتعاقدين إلى ما كان عليه، فالمرأة ترجع بمهرها، والزوج قد جاءه عوضه، وهو استحلال فرجها.
٦ - الإشارة إلى ستر ما بين الزوجين، لقوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، وهذا الإفضاء معروف أنه إفضاء سري، ولهذا فإن الذي يفشي السر فيما كان بينه وبين زوجته من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة.
٧ - أن العقود عهود، لقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ولا شك أن العقود عهود، وعلى هذا فيدخل الوفاء بالعقد تحت قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وتحت قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، والوفاء بالعقود يعم الوفاء بأصل العقد وما أضيف إليه من شرط وصفة؛ لأن الشروط التي تشترط في العقود هي من أوصاف العقود، فإذا وجب الوفاء بالأصل وجب الوفاء بالصفة، ويتفرع على هذا التقرير: أن في الآية دلالة على وجوب الوفاء بالشروط في العقود، لكن يستثنى من ذلك ما منع الشرع منه، فإذا منع الشرع من شرط، حرم اشتراطه، وحرم الوفاء به، مثل أن يشترط البائع على المشتري ولاء العبد الذي باعه عليه، فهذا شرط باطل لا يصح، أبطله النبي - ﷺ - علنًا، ومثل أن يشترط البائع على مشتري الأمة أن يطأها لمدة شهر، فإن هذا الشرط باطل؛ لأنه لما باعها انتقل الملك إلى المشتري، فوطء البائع
[ ١ / ١٦٤ ]