ولا يراد بهذه الآية معناها الزمني؛ لأنه لو أريد بها المعنى الزمني؛ لكانت الرقابة قد مضت، ولكنه يراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بالصفة التي كانت خبرًا في هذه الجملة، فالمراد هنا تحقيق أن الله رقيب علينا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، ليس المراد أنه كان فزال، بل المراد تحقيق اتصافه بالمغفرة والرحمة.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ [النساء: ٢].
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿وَآتُوا﴾، بمعنى: أعطوا، وأتوا بمعنى: جاءوا، وقوله: ﴿الْيَتَامَى﴾ مفعول أول، و﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ مفعول ثانٍ، وهذا الفعل "آتوا" ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
[ ١ / ١٩ ]
و﴿الْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، وهو مأخوذ من اليتم، وهو الإنفراد، والمراد به اصطلاحًا: من مات أبوه وهو صغير لم يبلغ، سواء كان ذكرًا أو أنثى، أما إذا بلغ فإنه يزول يتمه بحسب الإصطلاح والحكم الشرعي، ولهذا جاء في الحديث: "لا يتم بعد احتلام" (^١) أي: بعد البلوغ؛ لأنه إذا بلغ استقل بنفسه.
وقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: أموالهم التي لهم، سواء كانت عندكم بصفتكم أولياء، أو لم تكن عندكم، ولكن أخذتموها بغير حق، وقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: فلا تخونوا منها شيئًا، ولا تكتموا منها شيئًا، ولا تفسدوها، بل أعطوها كما كانت، ولا يلزم من قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ أن نعطيهم المال وهم أيتام؛ لأن اليتيم لا يعطى ماله إلا إذا اختبر، كما قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
وهناك فرق بين الإيتاء وبين الدفع؛ لأن الدفع معناه: لا تعطه المال حتى يبلغ ويرشد، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، وإما إيتاء المال، فالمراد أن نحفظ المال لهم بحيث نعطيهم إياه كاملًا عند وجوب الدفع.
وقوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ أي: لا تأخذوا الخبيث بدلًا عن الطيب.
والمعنى: أننا لا نعطيهم الخبيث من أموالنا ونأخذ بدله الطيب، وقيل: معناها: لا تأخذوا أموالهم وتستغنوا بها عن الطيب؛ لأن أخذ أموالهم حرام، والحرام خبيث. ففيها وجهان:
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء متى ينقطع اليتم (٢٨٧٢).
[ ١ / ٢٠ ]
الوجه الأول: أن لا تأخذوا الطيب من أموالهم وتعطوهم الخبيث، ومثاله: أن يكون لليتيم غنم سمينة جيدة، وعند وليه غنم هزيلة رديئة، فيأخذ من غنم اليتيم الطيب ويعطيه الرديء، فإن هذا حرام، أو يكون عنده بر طيب نقي، فيأخذه ويعطيه برًا رديئًا مخلوطًا .. وما أشبه ذلك.
فيكون معنى الآية على هذا الوجه: لا تأخذوا الطيب وتعطوهم الخبيث.
الوجه الثاني: لا تأخذوا من أموالهم شيئًا؛ لأن أموالهم حرام عليكم، والحرام خبيث، فيكون معنى الآية على هذا الوجه: لا تأخذوا أموالهم فتستغنوا بها عن الطيب الذي تكتسبونه بوجه حلال.
وكلا الأمرين محرم، سواء أخذ ماله بدون أن يعطيه عنه شيئًا، أو أخذ ماله الطيب وأعطاه عنه مالًا رديئًا.
وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ قال العلماء: إن ﴿إِلَى﴾ بمعنى "مع"؛ أي: لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم، وقيل: بل إن ﴿إِلَى﴾ على بابها، ولكن قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ ضمنت معنى "تضموا"؛ أي: لا تضموا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوها، وهذا المعنى أصح؛ لأن تضمين الفعل معنى فعل آخر في القرآن كثير، وإتيان "إلى" بمعنى "مع" قليل، وحمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أولى من حملها على المعنى القليل، وهذا من قواعد التفسير: "أن حمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أولى من حملها على المعنى القليل"؛ لأنها إذا كانت هي الكثيرة في القرآن صارت هي اصطلاح القرآن، وهي حقيقة القرآن.
والفائدة من تخصيص ذكر الأكل فقط؛ لأنه أكثر ما يكون،
[ ١ / ٢١ ]
وأعم ما يكون من الإنتفاعات، ولأنه هو الذي ينتفع به البدن انتفاعًا مباشرًا، فإن اللباس ينتفع به لكن من الخارج، ولهذا فإن الآيات كلها تعبر في الغالب بالأكل .. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] .. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾، الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ يعود على الفعل المفهوم مما سبق المكون من شيئين: تبديل الخبيث بالطيب، وأكل الأموال إلى أموالنا، وقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا الفعل.
وقوله: ﴿كَانَ﴾ أي: كان عند الله ﴿حُوبًا﴾ أي: إثمًا أو ذنبًا، ﴿كَبِيرًا﴾ الكبير ضد الصغير؛ لأن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، فهذا من الذنب الكبير.
وقد قال بعض العلماء: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
وهذا خطأ عظيم؛ لأن قوله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ ليس هو الأكل الذي نهى الله عنه هنا حتى نقول: إن بين الآيتين تعارضًا، فالله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي: لا تخلطوها لأجل أن تأكلوها، أما إذا خلطها للإصلاح أو لمصلحة، فإن هذا لا بأس به، لكن بعض العلماء - عفا الله عنا وعنهم - إذا عجزوا عن الجمع بين النصين قالوا: إن هذا منسوخ، وأقول: إذا عجزوا؛ لأنه قد لا يكون بين النصين تعارض، فقد يكون كل نص محمولًا على معنى، وهذه مسألة خطيرة جدًا؛ لأن معنى النسخ إنكار المنسوخ، وعدم جعله حكمًا شرعيًا، فالمسألة خطيرة، ولهذا لا يجوز ادعاء النسخ مع إمكان الجمع أبدًا.
[ ١ / ٢٢ ]