* * *
* قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠].
* * *
قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ ما هِيَ العَصَا الَّتِي معه؟
عصا عاديَّة يَتوكَّأ عليها ويَهُشُّ بها عَلَى غَنمه، فإضافتها إِلَى موسى - ﷺ - إضافة مملوكٍ إِلَى مالِكِهِ، وَلَيْسَ مخصوصًا إِلَى مَنِ اخْتَصَّ به، أي: أن هَذَا العَصَا لَيْسَ له اختصاص وَأَنَّهُ عصا من جوهر معيَّن أو مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، هُوَ عصا عاديّ، وهَذِهِ العَصَا هِيَ الَّتِي ضَرَبَ بها الحجرَ ما تَغَيَّرَتْ، وهي الَّتِي أَلقاها أيضًا للسَّحَرَةِ فأبطلتْ سِحْرَهم.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها]، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ هَذَا أيضًا من إيجازِ الحذفِ كما مرَّ دائما، والقَصَصْ يَكُون فيه إيجازُ حَذْف؛ لِأَنَّ المحذوفَ دائمًا يَكُون معلومًا منَ السياقِ، فيَكُون حَذْفُهُ سَهلًا ومُيَسَّرًا، وقد قَالَ ابن مالِكٍ ﵀ فِي الأَلْفِيَّة قاعدةً من أفيد ما يَكُون، ذكرها فِي بابِ المبتدأِ، وهي صالحةٌ لكلِّ شَيْء، قَالَ (^١):
وحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا تَقُولُ زيدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا
_________________
(١) ألفية ابن مالك (ص: ١٨).
[ ٦٥ ]
هَذِهِ فِي الحقيقة قاعدة: حذف ما يُعْلَم جائزٌ.
والإيجاز فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ وألق عصاكَ فألقاها. فهَذِهِ جملة محذوفة وليستْ تفسيرًا؛ لِأَنَّ قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ تفسيره: ضَعْ عصاك، ولو أخذنا الآيَة عَلَى ظاهرها لكانتِ العَصَا تَهْتَزّ وهي بيدِهِ قبلَ أنْ يُلْقِيَها، يعني لمّا أمر أن يلقيَ عصاه اهتزتْ، فالآيَة لَا بُدَّ فيها من شيءٍ محذوفٍ: فألقاها فإذا هِيَ تَهْتَزّ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تَتَحَرَّك]، ولكِن تفسير الاهتزاز بمطلَق التحرُّك فِيهِ نظرٌ؛ لِأَنَّ الاهتزازَ أبلغُ مِنَ التحرُّك، كَأَنَّ الاهتزاز فِيهِ نوعٌ من الْقُوَّة والاضطرابِ.
قَالَ المُفَسِّر -﵀-: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حَيَّة خفيفة]، وَقِيلَ: حيَّة عظيمة، وَقِيلَ: الجانُّ: الذَّكَر منَ الحيَّات، وأيًّا كَانَ فإنَّ هَذِهِ العَصَا الَّتِي كانت بيده صارتْ حيَّةً تَهتزُّ وتتحرَّك وتَضْطَرِب مثل الجانّ، يَعْنِي الحيَّة العظيمة، والدَّلِيل عَلَى أن المُرادَ بالجانّ الحيَّة العظيمة: قوله تَعَالَى فِي سورة طه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، والقِصَّة واحدة، فالجانّ من الأسماء المشترَكَة.
قوله: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾: ﴿وَلَّى﴾ هَذِهِ جواب ﴿لَمَّا﴾، ﴿مُدْبِرًا﴾ حال، ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ يَعْنِي: هاربًا، ولهَذَا يَقُول: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾، قَالَ المُفَسِّر -﵀-: [يرجع]، وقد ولَّى خوفًا من هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا بطبيعةِ البشرِ أنَّ الْإِنْسَان إن ألقى عصاه وصارت حيَّةً تَسعى لَا بُدَّ أن يخافَ، لا سِيَّما وَأنَّهُ ﵊ ما علِم أَنَّهُ سَيُرْسَل وَأَنَّهُ رسول، إِنَّمَا كلَّمه الله ﷾ وإلى الآنَ ما حَصَلَ شَيْء.
فالحاصل: أنَّ هَذِهِ طبيعة البشرِ، لَا بُدَّ أن يُوَلِّي، وَلَيْسَ فِي هَذَا نقصٌ للنبيّ - ﷺ -؛ لِأَنَّ الأُمُور البشريَّة تَعترِي الرسُلَ وغيرَهم، ولهَذَا كَانَ الرَّسُول - ﷺ - يَنسى فِي أعظم
[ ٦٦ ]
العبادات، فِي الصَّلَاة، ويقول: "إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَما تَنْسَوْنَ" (^١)، وَلَيْسَ فِي هَذَا أيّ قَدْحٍ للرسُلِ.
وقوله: ﴿يَامُوسَى﴾ هَذِهِ فيها أيضًا إيجاز بالحذفِ، ونحن نَقُول باختصار: جميع القَصَص ولا سِيَّما القَصَص الطويلة غالبًا يَكُون فيها إيجازُ حذفٍ، وأحيانًا تكون جملةً وأحيانًا تكون جملًا، وسيأتينا إن شاء الله فِي القَصَصِ الَّتِي فِي السُّورَة الَّتِي تلي هَذِهِ شيءٌ كثيرٌ من هَذَا.
قال: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾ وناداه باسمِهِ لِيُطَمْئِنَه، لِأَنَّ الْإِنْسَان الَّذِي يناديك وَهُوَ يَعْرِفك تَطْمَئِنّ إليه أكثر، لم يقلْ: يا هَذَا لا تَخَفْ أو يا مُوَلِّي لا تخفْ، بل قَالَ: ﴿يَامُوسَى﴾؛ لأنَّهُ معلوم أن الَّذِي يَعرِفك تطمئنُّ إليه أكثر، مثال ذلك لو رأيتَ مَن ظَنَنْتَه عدوًّا ثُمَّ هربتَ منه فقال: يا فلان، يا فلان، فإنك تطمئنُّ؛ لأنك تقول: هَذَا يَعرفني، ما يَنالني بِسُوءٍ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾ منها]، والتقييد بـ (منها) الَّذِي أوجبَ للمؤلِّف أن يأتيَ به هُوَ ظاهرُ السياقِ؛ لِأَنَّ الظَّاهرَ أنَّ مُوسَى - ﷺ - إِنَّمَا هَرَبَ منها، فقال: ﴿لَا تَخَفْ﴾.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ﴾ عندي ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ من حيَّة وغيرها]، معلوم أن الَّذِي بِحَضْرَةِ الله -﷿- لا يُمكِن أن يخافَ من شيءٍ؛ لِأَنَّهُ فِي كَنَفِ الله تَعَالَى وَفِي جِوَارِه، فلا يمكن أن يخافَ وَهُوَ عندَ اللهِ.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حَيْثُ كان، حديث رقم (٣٩٢)؛ ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، حديث رقم (٥٧٢)، عن ابن مسعود - ﵁ -.
[ ٦٧ ]