* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)﴾ [النمل: ٣].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يأتون بها عَلَى وَجْهِها]، أقام الشَّيْءَ: أتى به مُستقيمًا، ولا تكون الصَّلَاة مستقيمةً إِلَّا إذا أتى بها عَلَى وَجهها.
وإقامة الصَّلَاة نوعانِ: نوع لَا بُدَّ منه، وَهُوَ الإتيان بالأركانِ والواجباتِ والشروطِ، ونوع يَكُون عَلَى وجهِ الكمالِ، وَهُوَ الإتيان بالمُكَمِّلات من السُّنن وغيرها.
قوله ﵀: [﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يأتون بها عَلَى وَجهها ﴿وَيُؤْتُونَ﴾ يعطون ﴿الزَّكَاةَ﴾ ]، إِلَى آخِره.
قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ هل المُراد الفريضة أو النافلةُ؟
نَقُول: عامٌّ؛ لِأنهُ لا يجوز للإِنْسَانِ أن يأتيَ بالسنَّة مثلًا عَلَى وجهٍ يُنافي الكمالَ الواجبَ، لو قَالَ واحد: أنا سأتطوَّع، لكِن لن أقرأ الفاتحةَ، أليستْ سُنَّة. يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز، نَقُول: الْآنَ يَجِب عليك أن تقرأَ الفاتحة، لو قَالَ: لن أركعَ، لن أسجُدَ لا يمكِن هَذَا، فإذن فِي الآية الصَّلَاة إقامتها عامَّة فِي الواجب وِفي التطوُّع.
وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لم يبيِّن المَفْعُول الثانيَ لـ (يؤتون)، لَكِنَّهُ معلومٌ،
[ ٢١ ]
والتَّقْدير: (يؤتون الزكاة مُسْتَحِقَّها) وقد بيَّن الله ﵎ مستحِقَّ الزكاة فِي سورة بَرَاءَة ببَيَان واضحٍ مفصَّلٍ.
وقوله: ﴿الزَّكَاةَ﴾ لا حاجة إِلَى تعريفها عندكم لِأَنَّهَا معروفةٌ، وسُمِّيَتْ زكاةً لِأَنَّهَا تُزَكِّي الْإِنْسَان، قَالَ ﵎: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ هَذَا ثناء عَلَى المُؤتِينَ للزكاة، والسُّورَة كما تقدَّم مكّيّة، فهل معنى ذلك أن الزكاة فُرضت بمَكَّة أو فِي المَدينَة؟
المعروف عند أهلِ العلمِ أَنَّهَا فُرضت فِي المَدينَة، ولكِن الصحيح أَنَّهَا فُرضت بمكَّة، ولكِنَّ تقديرَ أنصبائها وبَيَان الأموال عَلَى وجه التفصيلِ كَانَ ذلك فِي المَدينَةِ، هَذَا هُوَ الصَّحيح، وَهُوَ الَّذِي به تَجتمع الأدلَّة.
فَإِنْ قَالَ قَائِل: تأخّر بَيَان أنصِبَة الزكاة إِلَى ما بعدَ الهجرةِ ألَا يَكُونُ من بابِ تأخيرِ البَيَان عن وقتِ الحاجةِ؟
فالجواب: لا، هَذَا من باب التطوُّر فِي التشريع، فبيَّن الزكاة وتركها موكولةً للإِنْسَان يختار ما يُخْرِج، فيُخْرِج ما شاءَ؛ لأجلِ أن تتعوَّد النفوس، ثُمَّ بَعْد ذلك يَفْرِض عليها الشَّيْءَ الَّذِي أراد اللهُ ﷾. وهَذَا مِثْلُ غيره منَ الأَشْيَاء الَّتِي تطوَّرت: الصَّلَاة فُرِضَتْ ركعتينِ، ثُمَّ أُقِرَّت صلاةُ السفرِ وزِيد فِي صلاة الحَضَر (^١).
والزكاة هَكَذَا فُرِضَت أوَّلًا عَلَى اختيار الْإِنْسَان، ثُمَّ حُددت، والصِّيَام فُرض عَلَى سبيل التخيير ثُمَّ عُيِّن، والحجُّ هُوَ الَّذِي ما أعلمُ فِيهِ إِلَّا اَنهُ فُرض مرَّةً واحدةً،
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، رقم (٣٥٠)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، رقم (٦٨٥).
[ ٢٢ ]
ولكِن السَّبَب فِي ذلك أنهُ أتى فِي السنة التَّاسعةِ أو العاشرةِ بعدَ أنِ استقرَّ الإِيمان فِي القلوبِ، فلا حاجة إِلَى أن تُدَرَّج النفوس من مرحلة إِلَى مرحلة.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كيف نَجْمَعُ بينَ حديثِ ابنِ عبَّاس: "إِنَّ اللهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ عَلَى نَبِيَكُمْ فِي الحَضرِ أَرْبَعًا وِفي السَّفَرِ رَكعَتَيْنِ" (^١)، وبينَ حديثِ عائشةَ؟
قُلْنَا: أنا لا أَدري صِحَّة هَذَا الحديثِ، وَعَلَى فَرض صِحَّته وقد قالَه ابنُ عبَّاس، فحديثُ عائشةَ أصحُّ، فحديثُ عائشةَ: "أَوَّل مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ" (^٢) صَريح صحيح، وَعَلَى هَذَا فالجمعُ أنْ يُقالَ: فُرِضَتْ أربعًا ثُمَّ فُرضتْ ركعتينِ ثُمَّ قُسم إِلَى حَضَر وسفرٍ.
مسألة: هل يجوز التدريجُ فِي الأحكامِ لمِن يُسْلم؟
الظَّاهر لي أنهُ يجوزُ، وأن نأمرَه بالأهمّ فالأهم، مثلما أمر الرَّسُول - ﷺ - مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، مَعَ أنَّ الأحكام مستقرَّة. قَالَ: "أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ" (^٣) مَعَ أنَّ كُلّ هذه كانتْ
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، حديث رقم (٦٨٧).
(٢) رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب التاريخ من أين أرخوا التاريخ، حديث رقم (٣٧٢٠)؛ ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، حديث رقم (٦٨٥).
(٣) رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النَّبِيّ - ﷺ - أمته إلى توحيد الله ﵎، حديث رقم (٦٩٣٧)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، حديث رقم (١٩)، عن ابن عباس - ﵄ -، ولفظ مسلم: لما بعث النَّبِيّ - ﷺ - معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن قال له: "إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس".
[ ٢٣ ]
مفروضةً، وحتى الصوم والحجُّ أيضًا مفروض.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يَعْلَمُونها بالاستدلالِ، وأُعيدَ (هم) لما فُصِلَ بينه وبين الخبر].
قوله: ﴿وَهُمْ﴾ مُبتدَأ و﴿يُوقِنُونَ﴾ خَبَره، و﴿بِالْآخِرَةِ﴾ متعلِّق بـ (يُوقِنون)، ولكِن كلمة ﴿هُمْ﴾ أُعيدتْ مرَّة ثانيةً، فهل هَذَا من بابِ التَّوْكيدِ ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يعني ﴿وَهُمْ﴾ همُ الَّذِينَ يوقنون دونَ غيرِهم، أو أنَّهُ كما قَالَ المُفَسِّر: للفصلِ بينه وبين الخبرِ، والفاصلُ قوله: ﴿بِالْآخِرَةِ﴾؟
يَحتمل هَذَا وهَذَا، وقد يجوز أن يَكُونَ المُراد الجميع، فبيَّن الله ﷾ أَنَّهُم هم أهلُ الإيقانِ، حَيْثُ كرَّر الضَّمير مرتينِ، وكُرِّرَ أيضًا مرتينِ لِطُول الفصلِ بين الخبرِ وبين المبتدأِ بالفاصلِ.
ولكِن الإيقان يَقُول المُفَسِّر: [يعلمونها بالاستدلالِ]، إِنَّمَا قَالَ ﵀: بالاستدلال؛ لِأَنَّ الْتقين أخصُّ منَ العلمِ؛ إذ إن الْيقين معناه: العِلم الَّذِي لا يَتَطرّق إليه الاحتمالُ، فَهُوَ أعلى درجاتِ العلمِ، وهَذَا إِنَّمَا يَكُون بالاستدلالِ، يعني بالأدلَّة المُبيِّنَةِ المقنِعة، فلهَذَا فسَّر المُفَسِّر الْيقينَ بأنه: العِلم بالأَشْيَاء عن طريق الاستدلالِ.
وقوله: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ هل المُرادُ بالآخِرَة أنَّهُ يُبعث النَّاس فقطْ؟
نَقُول: لا، فكُلّ ما أخبرَ الله تَعَالَى به ممَّا يَكُون فِي هَذَا اليوم أو أخبر به رسولُه فَإِنَّهُ داخل فِي الآخِرَةِ، بل إن شيخ الإِسْلام ﵀ يَقُول: إِنَّهُ يدخل فِي الإيمان باليوم الآخِر كُلّ ما أخبر به النَّبِيّ - ﷺ - مما يَكُون بَعْد الموت (^١).
_________________
(١) انظر: العقيدة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٥).
[ ٢٤ ]