° قَال اللهُ ﷿: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ (^١) [النور: ٢].
قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ثبتَ عنِ النَّبيِّ - ﷺ - في ابْن الرَّجُل الَّذي زَنا بامرأةِ مَنِ استأجَره أنَّه قال له: "وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ" (^٢).
وعَن ابْنِ عُمرَ - ﵄ - أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - جلَد وغرَّب، وأنَّ أبَا بكْرٍ جلَد وغرَّب، وأنَّ عُمر جلَد وغرَّب (^٣)، وهَذا القَوْلُ هُو الصَّحيح أنَّه يجْمَع بيْن الجلْد والتَّغْريبِ.
وقالَ بعْضُ العُلَماءِ: إنّه لا يُغَرَّب؛ لأنَّ التَّغرِيبَ لم يُوجَد فِي القُرْآنِ، وقَدْ قال اللهُ تَعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ
_________________
(١) لم يوجد تسجيل صوتي لتفسير هذه الآية، ولهذا نقل تفسيرها من كتاب فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى الشرح الممتع.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، رقم (٢٦٩٦)، ومسلم: كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، رقم (١٦٩٧).
(٣) أخرجه الترمذي: كتاب الحدود عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في النفي، رقم (١٤٣٨).
[ ١٩ ]
كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢] ولَم يذْكُرِ التَّغريبَ.
ولكِنَّ هذا القَوْل ضَعيفٌ؛ لأنَّ ما ثَبت بالسُّنَّة وجَب العَملُ بِه، كَما يَجِب العَمَل بِما فِي القُرْآن؛ لقَوْل اللهِ تَعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ولقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
فيَجِب أنْ نَأخُذ بِما جاءَتْ بِه السُّنَّة، وإنْ كان زَائدًا عمَّا فِي القُرْآن، بَلْ إنَّ ما جاءَتْ بِه السُّنَّة هُو مما جَاء بِه القُرْآن، كما استدَلَّ بِذَلك عبدُ الله بْنُ مسعودٍ - ﵁ - مُجيبًا للْمَرأة الَّتي قالَتْ لَه: إنَّني لا أجِدُ اللَّعْن -أي لعْن النَّامِصة والمتنمِّصَة- فِي كِتاب اللهِ، فقَال: هُو فِي كِتاب اللهِ، ثُمَّ تلا علَيْها قولَه تَعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
والتَّغريب معْنَاه أنْ يُنْفَى عَن بلَدِه لمدَّة سَنَةٍ كامِلَةٍ، والحِكْمة منْه أنَّه إذا غُرِّب عنْ هَذا المكانِ الَّذي وقَع فِيه الزِّنا فإنَّه رُبَّما ينْسَى ذَلك، وأيْضًا فإنَّ الغُربَة تُوجِب أنْ يشْتَغل الإنْسانُ بنَفْسِه دُون أن يتطلَّب الشَّهوةَ واللَّذةَ؛ لأنه غرِيبٌ، ولا سيَّما إذا عُلِمَ أنَّه غُرِّب مِن أجْل الحدِّ، فإنَّه لن يكُون لدَيْه فُرصةٌ أنْ يَعُود إِلى هذه المسْأَلةِ مرَّةً ثانيَةً، ولكِن يُشتَرط في البَلَد الَّذي يُغرَّب إلَيْه ألَّا يُوجد فِيه إباحَةُ الزِّنا -والعياذُ بالله-، فلَا يُغرَّب إِلى بِلادٍ يُمارِس أهلُها الزِّنا؛ لأنَّنا إذا غرَّبْناه إلى مِثْل هذِه البِلادِ فقَدْ أغْرَيْناهُ بذَلك، فيُغرَّب إلى بِلادٍ عُرِف أهلُها بالعِفَّة.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ﴾ [النور: ٢] فإيَّاك أن تقُولَ: هَذا شيخٌ كَبيرٌ، نجْلِدُه مِئَة جلْدَةٍ! ! وهَذا إِنْ لم يتزَوَّج، وأمَّا إذا تزوَّج فالحِجارَةُ، فلَا تُقل:
[ ٢٠ ]
أرحمُهُ، بَل قُل: لا أرحمُهُ؛ لأنَّ مَن هُو أرْحَمُ مِنِّي أمَر بجلْدِه، ونَهاني أنْ أرأَفَ بِه، فقالَ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢].
فإِذا قال: اجْلِدوه في بيْتِه حتَّى لا يطَّلِع عليه أحدٌ، قُلْنا: قال تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والَّذي شرَّع هَذه الحُدودَ اللهُ، وهُو أرْحَم مِن الخَلق جَميعًا، فهو أرْحَم مِن الوالِدَة بولَدِها؛ لأنَّ في إقامَةِ الحُدودِ مصالِحَ عظِيمةً لا تُحْصى، فَفِيها ردْعٌ وتطْهِيرٌ.
وقولُه تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فسمَّى اللهُ الحدَّ عذابًا، فإِن لم تشْهَد وَجب الحدُّ علَيْها.
* * *
[ ٢١ ]