° قال الله ﷿: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣].
هَذه الآيَةُ الكَريمة الَّتي ختَمها اللهُ بقولِه: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، تدُلُّ على تَحْريم نِكاح الزَّانِية، وتَحْريمِ نِكاح الزَّاني، بمَعْنى أنَّ الزَّانِيةَ لا يجوز للإِنْسان أن يتزوَّجَها، وأنَّ الزَّاني لا يَجوزُ للإِنْسان أن يُزوِّجه ابْنَته، فإِذا عرَفْنا ذَلِك؛ فإِنَّ مَن ارْتَكب هذا العَمل فَلا يخْلُو مِن حالَيْن:
الحالُ الأُوْلى: أنْ يكُون مُلتَزمًا بالتَّحريمِ عالمًا بِه، ولكنه تزوَّج الزَّانِية لمجرَّد الهَوَى والشَّهوَة، فحِينئذٍ يكونُ زَانيًا لأنَّه عقَد عقدًا محرَّمًا، وهُو يعتْقِدُه محرَّمًا مُلتزمًا بتحْرِيمه، ومعلومٌ أنَّ العَقْد المحرَّم لا يُبيح الفَرْج ولا الاستمتاعَ بِه، فيَكُون هذا الرَّجُل باسْتحلالِه بُضْع المرْأَة المعْقُود علَيْها وهِي زانيَةٌ وهُو يعْلَم أنَّ ذلك حرامٌ، فيَكُون فعْلُه هذا زِنا، وعلى هَذه الحالِ يتنَزَّل قولُه: ﴿إِلَّا زَانٍ﴾.
الحالُ الثَّانية: ألا يلْتَزم بهذا الحكْم، وأنْ يقُولَ: هَذا ليْس بحرَامٍ، بَل هُو حلالٌ، وحِينَئذٍ يكُون مُشرِكًا؛ لأنَّ مَن أحلَّ ما حرَّم اللهُ فقَدْ جَعل نفْسَه مُشرِّعًا مَع اللهِ، مُشرِكا بِه ﷾؛ ولهذا قالَ ﷾: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فجَعل اللهُ المشرِّعِين لعبادِه دِينًا
[ ٢٢ ]
لم يأذَنْ بِه شُركَاء، فهَذا الَّذي شرَّع لنفْسِه حِلَّ الزَانيَة ولم يلْتَزِم بالحُكْم الشرْعِيِّ يكُون مُشرِكًا، وعليْه يتنزَّل قوله: ﴿أَوْ مُشْرِكَةً﴾.
وخُلاصة القَوْل: أنَّ ناكِح الزَّانِية إمَّا أن يكُونَ معتقِدًا لتحْريمِها مُلتزِمًا به فحِينئذٍ يكُون زانيًا، وإمَّا أن يكُون غيْر معْتَقدٍ للتَّحريمِ ولا مُلْتزمًا بِه بَل هُو منْكِر للتَّحريم وحِينئذٍ يكُون مُشرِكًا، لأنَّه أحَلَّ ما حرَّم اللهُ، ولهذَا قالَ اللهُ ﷿: ﴿لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾، فهُو زَانٍ إِنْ كَان قد الْتَزم بالتَّحْريم واعتقَدَه، أو مشْرِكٌ إِذا لم يعتَقِدِ التَّحريمَ ولم يلْتَزم بِه، وهكَذا نقُول أيضًا فيمَن زوَّج ابنتَه رجُلًا زانيًا.
ولكِنَّ هذَا الحُكْم يزُول بالتَّوبةِ فإِذا تَاب الزَّاني مِن زِناه، وتابَتِ الزَّانِيةُ مِن زِناها، فإنَّه يزُول عنْهُما هَذا الوَصْف، أي وصْفُ الزَّاني، كما يَزُول وصْفُ الفِسْق عَن الفاسِق إِذا تَاب إِلى اللهِ ﷿ وتَرك الفِسْق، فإِذا تَاب الزَّاني مِن زِناه أو الزَّانِيةُ مِن زِناها حلَّ نِكاحُها.
[ ٢٣ ]