قَالَ اللهُ ﷿: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٨].
* * *
قَوْلهُ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَي ثَوَابه وَأَحْسَن بِمَعْنَى حَسَن] اهـ.
(اللَّام) في قَوْلهُ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ هل هي للعاقبة وأن عاقبتهم هَذَا؟ أو هي للتَّعليل؛ يعني أنهم يسبِّحون ويخافون لأجل أن يجزيهم الله أحْسَن ما عملوا؟
على قولنا: للتَّعليل سيَكُونون جمعوا بين الخَوْف والرجاء، أو نقول: للعاقبة وأنهم يعملون تِلْك الأَشْيَاء خوفًا من الله ﷿ فتكون عاقبتهم الأَمْن التام مع الثَّواب الجزيل؛ فيه احتمالان.
ثم هُنا نناقش المُفَسِّر ﵀، قَالَ المُفَسِّر: [أي: ثوابه]؛ لأنهم في الحَقيقَة لا يجزون بنفس العَمَل وإنَّما يجزون بثوابه، الجزاء: الثَّواب، لِذَلك احتاج المُفَسِّر أن يُقدِّر العَمَل بثواب العَمَل، لأَنَّه هو الَّذِي به الجزاء، هَذِهِ واحدة.
الثَّانية: يَقُول ﵀: [أحْسَن بمَعْنى حسن]؛ لأَن المُفَسِّر توهَّم أو ربما يتوهَّم المتوهِّم أن الجزاء إنما يقع على أحْسَن ما يعمل الْإِنْسَان، والحقيقَة أن الجزاء يقع على الأحْسَن والحسن، عنْدَما يعمل الْإِنْسَان حسنًا فإن الجزاء يَكُون على الحسن والأحْسَن،
[ ٢٦٢ ]
ولكن هَذَا التوهم لا يرد على تقدير المُفَسِّر، وهو أن المُراد ليجزيهم الله ثوابه، فيَكُون المَعْنى ليجزيهم الله أحْسَن ثواب ما عملوا، وعلَيْه فلا إِشْكال إطلاقًا ولا نؤول أحْسَن بمَعْنى حسن، لأَن تأول أحْسَن بمَعْنى حسن تحريف.
أيهما أكمل؟ ﴿أَحْسَنَ﴾. فلِذَلك نقول: الآيَة على ظَاهِرها، واسم التفضيل على بابه، والمَعْنى: أنهم يجزون أحْسَن ثواب لعملهم، لأَن الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كَثيرَة، والْإِنْسَان لو عملت له عملًا وأعطاك أجرك مرتين يَكُون هَذَا أحْسَن ثواب، أي: ممتاز، لكن ثواب الله ﷿ أحْسَن وأحْسَن، لأَن الله يُضاعف لمن يشاء، فالأَوْلَى، بل الواجب، أن تبقى ﴿أَحْسَنَ﴾ على ما هي علَيْه من التفضيل، ونقول أحْسَن: أي أحْسَن ثواب لعملهم، وَيكُون هُنا الأحْسَن لَيْسَ للعمل؛ بل للثواب.
بقي علَيْنا التَّقدير الأوَّل: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ لماذا جعل الله تَعَالَى الحُسْنَ للعمل نفسه مع أن الحسن للثواب؟ إِشارَة إلى أن الجزاء بقدر العَمَل ولذَلك عُبر به عنه، العَمَل كما تدين تُدان، والْإِنْسَان الَّذِي لا يُصلِّي مثلًا؛ هل يُثاب ثواب المصلِّي؟
الجواب: لا، والذي لا يُزكِّي لا يُثاب ثواب المزكِّي وهَكَذا، فالجزاء على العَمَل، ولذَلك عُبِّر به أي بالعَمَل عن جزائه إِشارَة إلى أن الجزاء من جنس العَمَل لكنَّه جزاء أحْسَن ما يَكُون.
قَوْلهُ: ﴿وَيَزِيدَهُمْ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [الله تَعَالَى ﴿مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ يُقَال فُلَان يُنْفِق بِغَيْرِ حِسَاب: أَي يُوَسِّع كَأَنَّهُ لَا يَحْسُب مَا يُنْفِقهُ] اهـ.
[ ٢٦٣ ]
قَوْلهُ: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هَذَا زائد على ثواب العَمَل، وَذلِك ما يحصل من زيادة الأعْمَال الصَّالحة وزيادة الرزق في الدُّنْيَا وزيادة ما يُدَّخر لهم عند الله في الجَنَّة؛ كالنَّظر إلى وجه الله ﷾؛ كما جاء في الحَديث الصَّحيح في قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، أن المُراد بالزِّيادة النَّظر إلى وجه الله ﷿.
وقَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ المَعْنى أَنَّه ﷾ يعطي بغير تقدير، لكن ما معنى بغير تقدير؟ كَيْفَ نقول: بغير تقدير مع أن الله ﷾ يَقُول: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]؟
الجواب: أن هَذِهِ كناية عن كثرة العطاء، ولِهَذَا يُقال كما قَالَ المُفَسِّر ﵀: فلانٌ يُنفق بغير حساب، يعني يعطي عطاءً كثيرَا لا حد له، وإلَّا فإن الله تَعَالَى قد قدَّر بعلمه وحكمته كل شَيْء حَتَّى نقطة المطر إِذَا نزلت في الأَرْض فإنها بمقدار.
إذن يَكُون معنى قَوْلهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير مقدار، وهو كناية عن كثرة ما يُنفق، لا عن كونه ينفق بدون أن يشعر بما ينفق، بل هو ﷾ يعلم ما يرزق وكَيْفَ يرزق وأين يرزق، ولكنه تَعَالَى لكثرة عطائه كالذي لا يُحسب.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَات الكَريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: فضيلة وشرف المَسَاجِد؛ لأنَّها محل ذكر الله ﷿ وتعظيمه فيه؛ لقَوْلهُ: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾؛ فإن قَوْلهُ: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ يدُلّ على شرفها؛ لأَن المكان يشرف بشرف العَمَل فيه، كما أن الزمان أيضًا يشرف بشرف العَمَل فيه.
لماذا كَانَ رمضان شريفًا؟
لمشروعية الصِّيام فيه وإنزال القُرْآن.
[ ٢٦٤ ]
لماذا كَانَ الحج شريفًا؟
لأَن فيه المناسك وذكر اسم الله على ما رزقنا من بهيمة الأنعام.
الفَائِدة الثَّانية: مشروعية تعظيم شأن المَسَاجِد، ومن ذَلِك؛ أي من تعظيمها: أن تُطيَّب، ومن ذَلِك أيضًا: أن تُنظَّف من الأَذَى والأقذار.
هل نقول: ومن ذَلِك أن تُزخرف؟
الجواب: لا، ولِهَذَا في الحديث: "مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المَسَاجِدِ" (^١)، وعن ابن عبَّاس - ﵄ -: "لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَما تُزَخْرِفُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى" (^٢). فالزخرفة شَيْء لا يليق بالمَسَاجِد؛ لأَن المَسَاجِد لَيْسَت بيوت دنيا، وإنَّما هي بيوت عمل للآخرة لكن تنظف عن الأَذَى والأقذار، وفرق بين التنظيف عن الأَذَى وبين إحداث الزخرفة؛ فإن التنظيف عن الأَذَى تنقية، لكن الزخرفة إيجاد أشْيَاء لا تتناسب مع المَسَاجِد.
لو قَالَ قَائِلٌ: بعض النَّاس يدخلون المسجد بالنَّعلين؛ هل هَذَا حرام؟
الجواب: تعظيم المَسَاجِد ألا تُدخل بالنَّعلين إلَّا وقد نظفتهما؛ فالسنة أن تُصلي في النَّعلين؛ لأَن النَّبِيّ ﵊ أمر بِذَلِك وفعله بنَفْسِه (^٣).
الفَائِدة الثَّالِثَة: فضيلة ذكر الله ﷾ في المَسَاجِد؛ لقَوْلهُ: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
الفَائِدة الرَّابِعَة: فضيلة تنظيف المَسَاجِد وحمايتها من الأَذَى؛ لقَوْلهُ: ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾؛
_________________
(١) أخرجه أَبو داود، كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد، حديث رقم (٤٤٨)؛ عن ابن عبَّاس.
(٢) أخرجه أَبو داود، كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد، حديث رقم (٤٤٨).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الصلاة في النعلين، حديث رقم (٥٥٥)؛ عن أَنس بن مالك.
[ ٢٦٥ ]
لأَن هَذَا من رفعها، ولهَذَا جاء في الحَديث عن النَّبِيّ - ﷺ - أنَّه قَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجل مِنَ المَسْجِدِ" (^١).
الفَائِدة الخَامِسَة: أن الذكر الأفضل أن يَكُون بالْقَلْب واللِّسَان؛ لقَوْلهُ: ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾؛ لأَنَّه لا يُمْكِن أن يُذكر فيها اسمه إلَّا باللِّسَان.
الفَائِدة السَّادِسَة: فضيلة التَّسبيح، لقَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ﴾.
الفَائِدة السَّابِعَة: الجمع بين إِثْبات الكمال لله ونفي النَّقص عنه، لقَوْلهُ: ﴿وَيُذْكَرَ﴾ وقَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ﴾، فقَوْلهُ: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ هَذَا فيه إِثْبات صفة الكمال، وقَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ﴾ هو فيه نفي صفة النَّقص، وسبقت قاعِدَة مهمة في باب التوحيد في الأَسْماء والصفات على أن النَّفي لا يُراد به مجرّد النَّفي، وإنَّما يُراد مع النَّفي إِثْبات كمال ضده، فإذا نفى الله ﷾ أنَّه يظلم لَيْسَ معنى ذَلِك مُجرَّد نفي الظُّلْم ولكن من أجل إِثْبات كمال العَدْل، فمن أجل كمال عدله لا يظلم، لأَن نفي الظُّلْم قد يَكُون من العجز على الظُّلْم وقد يَكُون لعدم قابلية هَذَا المحل لكونه ظالمًا فإنَّه يُقال مثلًا: الجدار لا يظلم لأنه لَيْسَ قابلًا للظلم، القابلية معدومة، ولو قِيلَ لرجل ضعيف مهين: هو لا يظلم لعجزه، فلا يَكُون مدحًا، لكن إِذَا قِيلَ هَذَا لقادر قابل لأَن يَكُون ظالمًا من حيث هو ذاته، فهَذَا دَليل على كمال عدله، ولِهَذَا نفى الله الظُّلْم عن نفسه متمدحًا به ﵎ ولو كَانَ غير قابل للظلم كما قالت الجبرية ما صح النَّفي.
_________________
(١) أخرجه أَبو داود، كتاب الصلاة، باب في كنس المسجد، حديث رقم (٤٦١)، والتِّرمِذي، كتاب فضائل القرآن، باب، حديث رقم (٢٩١٦)، وأحمد (٣/ ١٢٤٥) (١٢٢٨٠)، عن أَنس بن مالك.
[ ٢٦٦ ]
الفَائِدة الثَّامِنَة: فضيلة التَّسبيح في الصَّباح والمساء إِذَا قُلْنا إن المُراد بالغدو والآصال هَذَيْنِ الوقتين، فإذا قُلْنا المُراد بالغدو والآصال معناه: الاستمرار دائمًا وإنَّما ذكر هَذَان لأنهما طرفا النَّهار لم يكن في هَذَا دَليل على تَخْصِيص هذين الوقتين، ولكن الظَّاهِر من الأدلَّة أن لهَذَيْنِ الوقتين مزية؛ لأَن الله دائمًا يأمر بالتَّسبيح في هَذَيْنِ الوقتين.
الفَائِدة التَّاسِعَة: انه كلما قوي الصَّارف ولم ينصرف الْإِنْسَان فهو أكمل ممَّن لا صارف له، فهَؤُلَاءِ الرِّجَال لو كانوا لا يعرفون التجارة ولا يستطيعون التجارة قُلْنا: إن لجوءهم إلى بيوت الله من باب الضَّرورة يعني لأجل أن يقضوا الوقت عن أنفسهم ويتسلوا بِذَلِك، لكنهم قومٌ لهم تجارة، فالصَّارف عن ذكر الله في المَسَاجِد موجود وهو التجارة، لكنهم مع ذَلِك لا تلهيهم.
الفَائِدتان العاشرة والحَادِيَة عشرة: جَواز الاتِّجار؛ وجهه أنَّه أثبت أنهم يتّجرون في مقام المدح، ولو كَانَ الاتّجار حرامًا أو مذمومًا ما صحّ أن يُؤتى به في سِيَاق المدح فالتجارة لا بأس بها، فلا يُقال لِلإنْسان لا تتّجر ولا تعمل، ولكن على كل حال للنَّاس أغراضٌ في تجارتهم، بعضهم يُرِيد بالتجارة أن تَكُون وسيلة له إلى الْآخِرَة، وبعضهم يُريدُونَ بالتجارة الدُّنْيَا فقط.
واختلاف النَّاس في هَذَا بابٌ واسع، فمن اتّجر ليكسب مالًا يُعين به محتاجًا ويتقرب به إلى الله ويفعل به مشاريع الخيْر هَذَا يُحمد عليه، ولِهَذَا جعله النَبِيّ - ﷺ - قريبًا للعلم النَّافع؛ حيث قَالَ: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ أَعْطَاهُ الله مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَاكِهِ فِي حَقِّهِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَعْمَلُ بِهَا وَيَقْضِي بِهَا" (^١)، ويتفرع على
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحِكْمة، حديث رقم (٧٣)، ومسلم، =
[ ٢٦٧ ]
الفَائِدة السَّابِقة فضيلة المال إِذَا كَانَ عونًا على طاعة الله.
الفَائِدتان الثَّانية عشرة والثَّالِثَة عشرة: فضيلة إقامة الصَّلاة، وأن لها مزية على غيرها، فالصَّلاة هي من ذكر الله، فخصَّها بالذكر من بين الذكر، والتَّخصِيص بعد التعميم يدُلّ على فضيلة المخصص ومزيته، قَالَ تَعَالَى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]، الروح: جبريل؛ خصَّه بالذكر مع أنَّه من الملائكة لشرفه وفضله، فتَخْصِيص إقامة الصَّلاة بعد ذكر ما هو أعمّ دَليل على مزيتها، وكَذلِك أيضًا فضيلة إيتاء الزَّكاة؛ وهاتان العبادتان هما أفضل العِبادات بعد التوحيد والرسالة، فإقامة الصلاة الركن الثَّاني، وإيتاء الزَّكاة الركن الثَّالث، ودائمًا يقرن الله ﷾ بينهما في القُرْآن.
الفَائِدة الرَّابِعَة عشرة: أن من تعبد لله خوفًا فهو محمود؛ لقَوْلهُ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ لهو، وقد أثنى الله على من تعبّد خوفًا منه من الْعَذَاب، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وهنا قَالَ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾، وأثنى الله تَعَالَى على من تعبّد طلبًا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩].
وفي هَذَا ردٌّ على من ذهب من الصُّوفية أو غيرهم إلى أن الأفضل في التعبد ألا يقصد الْإِنْسَان حظًّا لنفسه وإنَّما يعبد الله لذاته فقد، يعني أنك إِذَا عبدت الله لا تقصد فضل الله أو تحذر عقابه، يَقُوُلونَ: أعبد الله لله، فيقال لهم: لستم أكمل حالًا من النَّبِيِّ - ﷺ - وأصْحابه، وقد ذكر الله عنهم أنهم كانوا ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾،
_________________
(١) = كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها وعلمها، حديث رقم (٨١٦)؛ عن ابن مسعود.
[ ٢٦٨ ]
ولستم أكمل حالًا ممَّن أثنى الله عليهم من الأبرار، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ إلى أن قَالَ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٧].
ولا شَكَّ أن الْإِنْسَان الَّذِي يعبد الله - سبحانه - لينال فضله وينجو من عقابه هو يُرِيد الوصول إلى رضوان الله وإلى رؤية الله ﷿، لأَن من جملة النَّعيم في الجنَّة رؤية الله ﷾.
الفَائِدة الخَامِسَة عشرة: عِظَمُ يوم القِيامَة وأهواله الشَّديدة، لقَوْلهُ: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾، والقلوب هَذِهِ لَيْسَت خاصة، بل (ال) فيها للعموم، يعني كل القلوب تتقلب وكل الأبصار تتقلب، حَتَّى الأنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام - يخافون ويخشون، فالرُّسل - عليهم الصَّلاة والسَّلام - يعبرون الصِّراط وَيقُولُونَ: اللهم سلم (^١).
فالأهوال عنْدَما تحدث، حَتَّى لو بُشّر الْإِنْسَان، فإما أن ينسى ما بُشّر به من شدة الهول، وإما أن يخاف من أمر يصيبه قبل أن يصل إلى ما بشّر به، فعنْدَما يَقُول المَلِك مثلًا - ولله المثل الأعلى -: أنت آمن، وترى أمامك الجلد في النَّاس والأخذ والأسر لا بُدَّ أن يحصل عندك خوف، مع أن هَذَا نقوله على سبيل التقريب وإلَّا فأهوال يوم القِيامَة لا يتصوّرها الْإِنْسَان.
ولكن مع ذَلِك أهل الخَيْر يُؤَمَّنون مع خوفهم، ومعْلُوم أن الَّذينَ يُؤَمَّنون يُهوَّن عليهم هَذَا اليوم ولا شَك، ولِهَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى في يوم القِيامَة: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الرِّقاق، باب الصراط جسر جهنم، حديث رقم (٦٥٧٤)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طرق الرؤية، حديث رقم (١٨٢)؛ عن أبي هريرة.
[ ٢٦٩ ]
غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]؛ فيفهم منه أن هَذَا اليوم مع عظمته وأهواله وشدّته يَكُون على المُؤْمِنِينَ يسيرًا وإلَّا فهو في ذاته عَظِيم جدًّا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (^١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢].
الفَائِدة السَّادِسَة عشرة: أن الجزاء من جنس العَمَل بل هو في الطاعات أحْسَن من العَمَل؛ لقَوْله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ شيئًا فوق ما عملوه.
الفَائِدة السَّابِعَة عشرة: إِثْبات علم الله ﷿، وجه ذَلِك لأنهم إِذَا كانوا يجزون بأحْسَن ما عملوا فلا مجازاة إلَّا بعد علم المجازِي ما عملوا ثم يجازيهم عليه.
الفَائِدة الثَّامِنة عشرة: إِثْبات القدرة، وجه ذَلِك من إِثْبات الجزاء، فإنَّه لا يجزي إلَّا من كَانَ قادرًا، ولو أنك صنعت إلى إِنْسَان معْرُوفًا فقد قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ" (٩)؛ فالله ﷾ لتمام قدرته لا ينقصه ما أعطى العامِلين من ثوابهم وأجرهم.
الفَائِدة التَّاسِعَة عشرة: إِثْبات المشيئة لله، لقَوْله: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ﴾،
_________________
(١) أخرجه أَبو داود، كتاب الزكاة، باب عطية من سأل بالله، حديث رقم (١٦٧٢)، والنَّسائي، كتاب الزكاة، باب من سأل بالله - ﷿ -، حديث رقم (٢٥٦٧)، وأحمد (٢/ ٦٨) (٥٣٦٥)؛ عن ابن عمر.
[ ٢٧٠ ]
وإِثْبات المشيئة لله في حقه، أي: فيما يتعلّق بفعله أمرٌ متفق علَيْه فيما أعلم، لم يخالف فيه المبتدعة ولا غيرهم، ومشيئة الله بالنِّسْبَةِ لما يتعلّق بأفعال الخلق خالفت فيها طائفة تُسمَّى القدرية؛ حيث زعموا أن العَبْد مستقلٌ بعمله وأنه لا تعلّق لمشيئة الله به، حَتَّى إن بعض غلاتهم أنكروا علم الله، وقالوا: إن الله ﷾ لا يعلم بأعمال العَبْد إلَّا بعد أن يفعلها، أما قبل ذَلِك فإنَّه لا يعلم ﷾، وأنكروا النُّصوص الصَّحيحة الصَّريحة في إِثْبات علم الله ﷾ في كل شَيْء حَتَّى في أعمال الْإِنْسَان.
الفَائِدة العشرون: كثرة رزق الله ﷿؛ لقَوْله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وأنه ﷾ يعطي بلا حساب، ولَيْسَ معنى بلا حساب أي: بلا تقدير؛ لأَن الله يَقُول: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، حَتَّى القطرة الَّتِي تنزل من السَّماء إلى الأَرْض هي مقدَّرة عند الله ﷾، فمعنى قَوْلهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: أنَّه لا يكافئ الْإِنْسَان بحساب بل بكثرة كَثيرَة.
* * *
[ ٢٧١ ]