قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩]
* * *
قَوْلهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ لمَّا ذكر الله ﷾ أعمال هَؤُلَاءِ الرجَال، تِلْك الأعْمَال الفاضلة، ذكر أعمال الَّذينَ كَفَرُوا ما شأنَّها، وهَذ طريقة الله تَعَالَى في كتابه؛ إِذَا ذكر وصف المُؤْمِن ذكره بعده وصف الكافر أو بالعَكْسِ، وإذا ذكر وصف الجَنَّة ذكره بعده وصف النَّار أو بالعَكْسِ؛ لأَن القُرْآن مثاني تثنى فيه المعاني ويقابل بعضها ببعض، هَذِهِ واحدة، ولأن الْإِنْسَان إِذَا ذُكرت له أوصاف أهل الخَيْر وأوصاف الجنَّة قد يغلب علَيْه جانب الرجاء فيهلك، وإذا ذكرت له صِفات النَّار وصفات أهل الشَّرِّ يغلب علَيْه الخَوْف فيهلك.
ولهَذَا اختلف أهْل العِلْم: هل الأولى أن يُغلِّب الْإِنْسَان جانب الرجاء أو جانب الخَوْف أو يجعلهما سواء؟
فقال الْإِمَام أحمد: يَنْبَغِي أن يَكُون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب الخَوْف وقع في القنوط من رحمة الله، وإن غلب الرجاء وقع في الأَمْن من مكر الله، وكلاهما طريق لا يليق بالمُؤْمِن.
[ ٢٧٢ ]
وقال بعض العُلَماء: يَنْبَغِي للمريض أن يغلب جانب الرجاء؛ لقول النَّبِيّ - ﷺ -: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ" (^١)، وَينْبَغِي للصحيح أن يغلب جانب الخَوْف.
وقال آخرون: يَنْبَغِي عند فعل المعْصِيَة أن يغلب جانب الخَوْف؛ لأجل أن يرتاع؛ لأَنَّه لو غلب جانب الرجاء وقال: إن الله غفور رحيم وأرجو أن يغفر لي لأمن المعْصِيَة، وعند فعل الطَّاعة يغلب جانب الرجاء وأن الله تَعَالَى يقبل منه ويثيبه حَتَّى لا ييأس، ويدُلّ على ذَلِك قَوْل النَّبِيّ - ﷺ -: "ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ" (^٢)، كَذلِكَ اعبد الله وأنت على رجاء أن يتقبل منك.
وعلى كل حال هَذَا القَوْل في ظنِّي أنَّه أرجح الأقوال أنَّه عنْدَما يَكُون الْإِنْسَان في جانب التعبّد وفعل العِبادَة يغلِّب الرجاء، ولَيْسَ المَعْنى أن يجزم بالرجاء بهَذَا؛ لأَن الله يَقُول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]؛ يعني: خائفة ألا يقبل منها، لكن المَعْنى أن يغلّب هَذَا مع الخَوْف، وأما في جانب فعل المعْصِيَة فيغلب جانب الخَوْف؛ لأجل ألّا يُقدم عَلَيْها معتمدًا على الرجاء، وقصدنا مما ذُكر أن القُرْآن الكَرِيم يذكر الله تَعَالَى فيه هَذَا وهَذَا ليَكُونَ سيرُ الْإِنْسَان معتدلًا.
قَوْلهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [جَمْع قَاع: أَي فِي فَلَاة وَهُوَ شُعَاع يُرَى فِيهَا نِصْف النَّهَار فِي شِدَّة الْحَرّ يُشْبِه المَاء الجَارِيَ] اهـ.
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الجنَّةَ وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظَّن بالله تَعَالَى عند الموت، حديث رقم (٢٨٧٧)؛ عن جابر بن عبد الله.
(٢) أخرجه التِّرمِذي؛ واللفظ له، كتاب الدعوات، باب ما جاء في جامع الدعوات عن النَّبِيِّ - ﷺ - حديث رقم (٣٤٧٩)، وأحمد (٢/ ١٧٧) (٦٦٥٥)؛ عن عبدِ الله بن عمرو.
[ ٢٧٣ ]
هَذَا تفسير للسراب، والقيعة: هي الفلاة، والسراب بالقيعة معْرُوف؛ يَكُون عند شدة الحر عنْدَما تَكُون في فلاة من الأَرْض، وقيعة، يعني: قاعًا -بخلاف الرملية لا يَكُون فيها هَذَا الشَّيء- لكن القيعان ترى من بُعد كأنَّ في ذَلِك الجانب ماء فتظنّه ماءً، ولَيْسَ بماء لكن كَيْفَ ذَلِك؟ لأنهم يَقُولُونَ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]؛ فيظنون أن هَذَا الشِّرك الَّذِي يبعدهم عن الله حَقِيقَة يظنونه يقربهم إلى الله ﷿، يظنون هَؤُلَاءِ الشُّفعاء الَّذينَ سيتبرؤون منهم شفعاء، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، ومن المعْرُوف أن النَّفس إِذَا تعلقت بالشَّيء على أنَّه شفيع أو على أنَّه مقَرِّب لها إلى الله تتبعه بلا شَك، هَؤُلَاءِ مثل السراب في القيعة.
قَوْلهُ: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿يَحْسَبُهُ﴾ يَظُنّهُ ﴿الظَّمْآنُ﴾ أَي: الْعَطْشَان ﴿مَاءً﴾] اهـ.
هَذَا تشبيه بليغ، ووجه الشَّبه بين أعمال الْكُفَّار وبين السراب: أن هَؤُلَاءِ الْكُفَّار يعملون الأعْمَال ويظنون أنَّها تنفعهم وكَذلِك العطشان، يعني أنَّه يقصد الماء بشدةٍ ولهف معتقدًا أنَّه ينقذه لأَن العطشان محتاج للماء، إِذَا رأى ما يشبه الماء قصده بشدة ولهف، لأجل أن يدفع ضرورته به، لأنَّه يظنه ينفعه، ولولا أنَّه يظنه ينفع لم يذهب إلَيْه، لكن النَّتيجة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مِمَّا حَسِبَهُ] اهـ.
قَوْلهُ ﴿إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ ماذا تتصور حاله حينئذٍ؛ خيبة أمل عَظِيمة - والعِيَاذ باللهِ - لا يتصوّرها أحد، إِنْسَان عطشان جاء إلى هَذَا السراب من بعيد يُرِيد أن يشرب فتكون النَّتيجة أنَّه لم يجد شيئًا مما حسبه، ولاحِظ أن السراب لا يتراءى في
[ ٢٧٤ ]
الأماكن القريبة، بل في البعيدة، يَقُول المُفَسِّر ﵀: [كَذَلِكَ الْكَافِرُ يَحْسَب أَنَّ عَمَلَه كَصَدَقَةٍ يَنْفَعهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ وَقَدِمَ عَلَى رَبّه لَمْ يَجِد عَمَله، أَي: لَمْ يَنْفَعهُ] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي: عِنْد عَمَله؛ ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾، أَي جَازَاهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، أَي: المُجَازَاة] اهـ.
هَذَا الكافر يظن أن عمله ينفعه، وتمثيل المُفَسِّر لِذَلك بالصدقة فيه نظر إلَّا إِذَا قصد بِذَلِك ضرب المثل؛ فهَذَا صحيح، فهي من جملة الأعْمَال الَّتِي يفعلها الْكُفَّار يظنون أنَّها تنفعهم وهي لا تنفعهم، ولكن يَنْبَغِي أن يُقال: هي أعم من ذَلِك لَيْسَ المُراد فقط الصَّدقة، بل حَتَّى عبادة الأصنام يظنونها تنفعهم؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، ومع ذَلِك هَذَا كله لا ينفعهم ولا يجدون شيئًا مما يظنونه ويحسبونه.
وقَوْلهُ: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ عند هَذَا السراب؛ لأنَّه الآن وصل إلى الموت، فإذا مات فقد لاقى الله ﷿، ولِهَذَا قَالَ: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾؛ هَذَا ظاهر السِّيَاق، أما على رأي المُفَسِّر ﵀؛ فيجعل ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾، أي: عند عمله، فيَكُون الضَّمِير على رأي المُفَسِّر عائد على المشبّه دون المشبه به، ويحتمل أنَّه عائد على المشبه به، وقول المُفَسِّر: أي: عند عمله؛ تفريعًا على قَوْلهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لأَن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عام فكأنه قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: الكافر عمله كذا وكذا، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولكن ظاهر الأئة أن الضَّمائر تعود على أقرب مذكور وهو هَذَا العطشان الَّذِي وصل إلى الماء عطشان فلم يجد شيئًا فسيهلك.
قَوْلهُ: [حِسَابَهُ﴾، يعني: جزاء عمله، وقوله ﵀: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، أي: المجازاة.
[ ٢٧٥ ]
ما المُراد بالسُّرعة هُنا، هل المُراد قرب وقت المجازاة فتكون السُّرعة زمنية أو المُراد إنجاز الحساب فتكون السرعة عملية أو كلاهما؟ هل المَعْنى أنَّه في محاسبته سريع أو المَعْنى حسابه للعباد قرب أوكلاهما؟
الجواب: كلاهما؛ فالحساب قريب حَتَّى وإن طالت الدُّنْيَا بالْإِنْسَان، فإنَّه قريب؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]، وكَذلِك عنْدَما يحاسب الله الخلائق يوم القِيامَة يحاسبهم في نصف يوم (^١)، كما قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾، ثم قَالَ بعدها: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]؛ استنبط العُلَماء من ذَلِك أنهم سيقيلون في منازلهم في نصف ذَلِك اليوم.
ولكن اليوم الَّذِي أشار الله إلَيْه مقداره خمسين ألف سنة، ومهما يكن من شَيْء فالله قادرٌ على ما هو أبلغ من ذَلِك، لكن مع هَذَا، هَذِهِ سرعة عَظِيمة وقدرة بالغة حَتَّى لو كَانَت المدة خمس وعشرين ألف سنة، الخلائق من أولهم إِلَى آخِرِهِم ما بين آدمي وجنّي وطير وغيرهم يحاسبهم الله في نصف يوم، الآن لو يحاسب الْإِنْسَان شخصًا يعامله لمدة سنة كم تَكُون المدة إِذَا كَانَ الحساب دقيقًا وكثيرًا؟ يبقى مدة وقد يَكُون الحساب مضبوطًا وقد لا يَكُون مضبوطًا؛ أما حساب الله ﷿؛ فهو مع سرعته ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩].
* * *
_________________
(١) أخرجه أَبو داود، كتاب الملاحم، باب قيام الساعة، حديث رقم (٤٣٤٩)، وأحمد (٤/ ١٩٣) (١٧٧٦٩)؛ عن أبي ثعلبة الخشني.
[ ٢٧٦ ]