﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ .
البسملة سبق الكلام عليها.
ذكر في سبب نزول هذه السورة: أن المشركين أو اليهود قالوا للنبي ﷺ: صف لنا ربك؟ فأنزل الله هذه السورة (^١) .
﴿قل﴾ الخطاب للرسول ﵊، وللأمة أيضًا و﴿هو الله أحد﴾ ﴿هو﴾ ضمير الشأن عند المعربين. ولفظ الجلالة ﴿الله﴾ هو خبر المبتدأ و﴿أحد﴾ خبر ثان. ﴿الله الصمد﴾ جملة مستقلة. ﴿الله أحد﴾ أي هو الله الذي تتحدثون عنه وتسألون عنه ﴿أحد﴾ أي: متوحد بجلاله وعظمته، ليس له مثيل، وليس له شريك، بل هو متفرد بالجلال والعظمة ﷿. ﴿الله الصمد﴾ جملة مستقلة، بين الله تعالى أنه ﴿الصمد﴾ أجمع ما قيل في معناه: أنه الكامل في صفاته، الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته. فقد روي عن ابن عباس أن الصمد هو الكامل في علمه، الكامل في حلمه، الكامل في عزته، الكامل في قدرته، إلى آخر ما ذكر في الأثر (^٢) . وهذا يعني أنه مستغنٍ عن جميع
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/١٣٣) والترمزي كتاب التفسير باب ومن سورة الإخلاص (٣٣٦٤) .
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٠/ ٣٤٦، والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٥٨ -٥٩،
[ ٣٤٩ ]
المخلوقات لأنه كامل، وورد أيضًا في تفسيرها أن الصمد هو الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، وهذا يعني أن جميع المخلوقات مفتقرة إليه، وعلى هذا فيكون المعنى الجامع للصمد هو: الكامل في صفاته الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته. ﴿لم يلد﴾ لأنه جل وعلا لا مثيل له، والولد مشتق من والده وجزء منه كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فاطمة: «إنها بَضْعَةٌ مني» (^١)، والله جل وعلا لا مثيل له، ثم إن الولد إنما يكون للحاجة إليه إما في المعونة على مكابدة الدنيا، وإما في الحاجة إلى بقاء النسل. والله ﷿ مستغنٍ عن ذلك. فلهذا لم يلد لأنه لا مثيل له؛ ولأنه مستغنٍ عن كل أحد ﷿.
وقد أشار الله ﷿ إلى امتناع ولادته أيضًا في قوله تعالى: ﴿أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم﴾ [الأنعام: ١٠١] . فالولد يحتاج إلى صاحبة تلده، وكذلك هو خالق كل شيء، فإذا كان خالق كل شيء فكل شيء منفصل عنه بائن منه. وفي قوله: ﴿لم يلد﴾ رد على ثلاث طوائف منحرفة من بني آدم، وهم: المشركون، واليهود، والنصارى، لأن المشركين جعلوا الملائكة الذين هم عبادالرحمن إناثًا، وقالوا: إن الملائكة بنات الله. واليهود قالوا: عزير ابن الله. والنصارى قالوا: المسيح ابن الله. فكذبهم الله بقوله: ﴿لم يلد ولم يولد﴾ لأنه ﷿ هو الأول الذي ليس قبله شيء، فكيف يكون مولودًا؟! ﴿ولم يكن له كفوًا أحد﴾ أي لم يكن له أحد مساويًا في جميع صفاته، فنفى الله ﷾ عن نفسه أن يكون والدًا، أو مولودًا، أو له مثيل، وهذه
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ باب مناقب قرابة رسول الله ﷺ ومنقبة فاطمة (٣٧١٤) . ومسلم كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل بنت النبي ﵂ (٢٤٤٩) (٩٣) .
[ ٣٥٠ ]
السورة لها فضل عظيم. قال النبي ﷺ: «إنها تعدل ثلث القرآن» (^١)، لكنها تعدله ولا تقوم مقامه، فهي تعدل ثلث القرآن لكن لا تقوم مقام ثلث القرآن. بدليل أن الإنسان لو كررها في الصلاة الفريضة ثلاث مرات لم تكفه عن الفاتحة، مع أنه إذا قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله، لكنها لا تجزىء عنه، ولا تستغرب أن يكون الشيء معادلًا للشيء ولا يجزىء عنه. فها هو النبي ﵊ أخبر أن من قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فكأنما أعتق أربعة أنفس من بني إسماعيل، أو من ولد إسماعيل» (^٢)،
ومع ذلك لو كان عليه رقبة كفارة، وقال هذا الذكر، لم يكفه عن الكفارة فلا يلزم من معادلة الشيء للشيء أن يكون قائمًا مقامه في الإجزاء.
هذه السورة كان الرسول ﵊ يقرأ بها في الركعة الثانية في سنة الفجر (^٣)، وفي سنة المغرب (^٤)، وفي ركعتي الطواف (^٥)، وكذلك يقرأ بها في الوتر (^٦)، لأنها مبنية على الإخلاص التام لله، ولهذا تسمى سورة الإخلاص.
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب فضائل القرآن باب فضل) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (٥٠٥١) ومسلم كتاب صلاة المسافرين باب فضل قراءة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (٨١١) (٢٥٩) .
(٢) أخرجه مسلم كتاب الذكر باب فضل التهليل، (٢٦٩٣) (٣٠) ..
(٣) تقدم تخريجه ص (٣٣٥) .
(٤) تقدم تخريجه ص (٣٣٥) .
(٥) تقدم تخريجه ص (٣٣٥) .
(٦) أخرجه الترمزي أبواب الوتر باب ما جاء فيما يقرأ به الوتر (٤٦٣) . وقال: حديث حسن غريب.
[ ٣٥١ ]